إصدارات د. سعيد علوش

 

 

 

 

 

 

 

 

الميلودي شغمـوم

الرواية العربية

(الذات، الكونية والمغايرة)

في الإعلام والكاتب

 لا تتاح لكثير من الكتاب فرص التواصل، عبر وسائل الإعلام، مع قراء أتيحت لهم فرص الإطلاع على بعض إنتاجهم. ولا تتحقق لكثيرين منهم إقامة علاقة مباشرة قابلة للنمو مع جمهور لا يقرأ بسبب أميته الألفبائية أو الثقافية، مما تستطيع المنابر الإعلامية تحقيقه بسبب انتشارها واقتدارها على التوصيل بالوسائل المسموعة والمسموعة المرئية لذلك النوع من الجماهير، ولذلك أسباب تعود للكاتب والمؤسسة أو للمنبر الإعلامي المعني والعاملين فيه، ولنوع العلاقات التي يقيمونها والمعايير التي يحتكمون إليها وتحكم عملهم، والصيغ التي يتعاملون بها ومن خلالها مع الآخرين؛ ومنها ما يتصل بالمناخ العام الذي تتشكل فيه تلك العلاقات وتنمو، وهو مناخ قد يكون صحياً وقد يصاب بعلل، وتساهم في تكوينه سلطة وأجهزة وأحزاب وتنظيمات وشخصيات ذات نفوذ إعلامي ومنافع متبادلة، وشلل وميليشيات متعددة الأغراض. وينعكس هذا الوضع سلباً على حضور كتاب ومثقفين وسياسيين، وعلى وصول آرائهم أو التعريف بهم وبتوجهاتهم وإنتاجهم والتعرّف عليهم، بموضوعية وبدرجة مقبولة أو حتى دنيا من المساواة، أو إتاحة أدنى الفرص للاستماع إليهم والحوار معهم.

ويمكن أن يُعزى بعض غياب الكاتب أو تغييبه إليه وإلى ما يرغب فيه ويُقبل عليه، كما يعزى أيضاً إلى أداء بعض وسائل الإعلام وسياساتها وما يحكمها ومن يتحكم بها، من الأشخاص والتوجهات والأيديولوجيات والعلاقات والمصالح والسياسات، وما تطلبه من الكاتب أو ما تتيحه له من وقت وهوامش حرية، الأمر الذي يجعله راغباً عن ذلك، ولا يشجعه على الانفتاح على قنوات الاتصال والتواصل المهمة تلك.

والحالة القائمة، أياً كانت الأسباب التي تكمن وراءها، تنطوي على تهميش لحضور كتاب ومثقفين أو آراء وتيارات فكرية، ومن ثم نفي لتأثيرها العام من جهة، وتركيز على آخرين ووضعهم في المكان الذي يبدو فضفاضاً جداً عليهم، ومتابعة تلميعهم حتى يعتاد الناس على هذا النوع من الوجوه والحضور والأداء والرؤى والآراء، ويصبح الأمر عادياً تغيب فجواته وثغراته وغاياته يوماً بعد يوم ويغيب الناس إلا من هم في الصورة. وسواء أكان ذلك مرسوماً ومبرمجاً أم غير مقصود ولا مبرمج فوجوده سلبي وضار ويستدعي النظر فيه ومعالجتَه بجدية ومسؤولية.

إن بعض وسائل الإعلام لا تجد لكتَّاب أو لأنواع من الفكر والكتابة والرأي مجالاً فيها، لأن سياستها الإعلامية أو نوع البرامج التي تختارها وتقدمها، ونوع الجمهور الذي تتوجه إليه أو تزعم أنها تتوجه إليه ويُقبل عليها، لا يفسح لأولئك مكاناً، ويترسخ ذلك التوجه أو الواقع بوجود أشخاص مرتفعي الأصوات في أروقتها يقيمون وصاية على الرأي العام القاصر بادعائهم أن هذا ما يحتاج إليه ويقبل عليه ويقررون ما يرتاح إليه وما يسمح له بتناوله وما ينبغي أن يقدم له. إن كل ذلك الظاهر المعلن وما تخفّى أو أُخفي تحت أجنحته، لا يسمح بظهور كتابات وكتَّاب وأفكار وتوجهات واتجاهات قد تغني الحياة والمشهد السياسي والثقافي والإعلامي، وتعود بالنفع على الثقافة والأمة والمجتمع وعلى أصحابها أيضاً.

وينتج عن ذلك أن يوأد أشخاص وإنتاج وتوجهات فكرية وإبداعية وسياسية، لأن أصحابها لا يجدون لهم ولها مكاناً في وسائل الإعلام ولا مجالاً للتواصل مع الناس، ولا تتاح لهم حتى مجرد إطلالة عليهم.

وهناك حالات أخرى لا تمكِّن كتّاباً من فرص التواصل عبر وسيلة إعلامية لأن مجموعة من الكتَّاب أو المستَكتَبين تقطع الطريق على الآخرين وتحتكر الوسيلة الإعلامية، وتشعر بأن أي فلس من موازنة تلك الوسيلة يخرج خارج دائرة المجموعة البشرية المعنية بالأمر، هو خسارة مادية مباشرة لكل فرد من أفردها، ولذا تخوض معارك مستمرة للمحافظة على المكان والسياج والأسلاك الشائكة والبوابات المحصَّنة التي تضعها حول تلك الدائرة من دوائر العمل والإنتاج والنفوذ حتى لا يقتحمها أو يتسلل إليها أي شخص سواهم. ويشكلون في بعض الحالات شبكة عابرة للأقطار العربية لتبادل المصالح والمواقف، تشرف عليها تنظيمات ذات تاريخ في هذا النوع من الاحتكار والإقصاء. وبعض الكتَّاب لا يقتحم هذه العقبة ولا يرغب في أن يدخل هذا النوع من الصراع، لذا ينأى بنفسه عنه ويساهم في إقصاء ذاته، وقد يكون شريكاً فيما يصيبه ولكنه يرى في ذلك أهون الشرور. وقد يكون هذا التصر الإقصائي الذاتي بالذات هو ما يريده ذلك النوع من الأشخاص الذين يحتكرون منابر ويحاصرونها بشبكاتهم، ويجترون ذواتهم لسنوات طويلة وربما لعقود من الزمن، ويفرضون أنفسهم على الجمهور الذي قد "يصمد معهم ويبقى لهم وحدهم"، وقد يُهزَم أمامهم ويتفرق عنهم, وليس ذلك هذا مهماً بنظر كثيرين منهم لأن الأهم هو استمرار السيطرة على المكان ومحتوياته وما يدره من دخل ويحققه من " حضور" وشهرة، ومن هيمنة على شرائح من الرأي العام بأفكار وحضور استُهلك تماماً وتجاوزه الزمن كثيراً. ومن اللافت للنظر قدرة ذلك النوع من الأشخاص الذين يحتكرون منابر ومواقع إعلامية على تقديم المسوِّغات و"الفلسفات" لمن يحتاج إليها من المسؤولين، وهم يستخدمونها أو يستندون إليها في الدفاع عن احتلالهم لتلك المواقع والسيطرة المنظمة على من يديرها ويشرف عليها بوسائل وأساليب أنضجتها التجربة المديدة.   

في الإعلام المملوك من السلطات يصبح تهميش الكاتب أو تغييبه جزءاً من الممارسة السلطوية وفق ما يصنعه المعنيون والمخبرون والمستفيدون من صورة له، ويرتبط التهميش بالسلطة حتى لو لم تأمر بذلك مباشرة ولم توح به ولم تعرف عنه شيئاً. وينفذ " المنع"، بصورة مباشرة أو بأخرى غير مباشرة مثل: التضييق ورفض المادة المقدمة وإثقال كاهل الكاتب بالملاحظات والتلميحات التي لا مسوِّغ لها، والقيام بما هو مفتعل وجارح أحياناً لجعل الكاتب ينفر ويكره ويترك وينجو بجلده وكرامته، أو لجعله يُحبَط أو ييأس وينصرف من ذات نفسه إلى شؤون غير تلك التي كانت تعنيه وتعنيهم. وفي مراحل وممارسات أخرى، إذا لم ينصرف الكاتب من تلقاء نفسه، يتم إسماعه ما لا يُحب إلى أن يصل الأمر إلى الاستفزاز وجعله يقوم بما لا يُستحَب الأمر الذي يقدم ذرائع توجب التهميش أو المنع وتسوغهما إدارياً وقانونياً. هذا في حال التعامل مع الكاتب صاحب الرؤية والموقف، أما مع من يريد أن يتكسّب بالكتابة فهناك أسلوب مختلف: أكتب كذا وادفع كذا وافعل كذا.. ولا ممانعة من أي نوع.

وهناك أسلوب آخر يستعمل مع كتاب وكتابات وأفكار وتوجهات سياسية أو ثقافية هو التهشيم والتعتيم: التهشيم المنظم بتصنيع صورة ومواصفات لأشخاص وإنتاج وممارسات لا صلة لها بهم، وتداولها بتكثيف وتحامل مكشوفين، وعدم السماح له بالدفاع عن نفسه بأساليب متقنة، وليس من المهم أن يكون لها أدنى صلة بمصداقية خلقية أو مهنية. والتعتيم المنظم أيضاً بعدم إذاعة الإنتاج أو التعريف به وبصاحبه وممارسة الإقصاء النفسي والقتل الروحي في الظلام. ويتم ذلك بأساليب متعددة ومن خلال أشخاص ووسائل إعلام رديفة مملوكة من سلطات أو واقعة تحت تأثير تنظيمات وأشخاص لديهم الإمكانيات والاستعداد التام للقيام بهذه المهام في أي وسيلة من وسائل الإعلام، خاصة أو عامة. وهم يقومون بذلك لأسباب تتعلق بارتباطات خلافات ومصالح وعداوات وتصفية حسابات.

 وفي معظم الأحوال تكون هناك أصابع لأجهزة، أو أصابع لتنظيمات أخرى ذات نفوذ في المنابر الإعلامية، ولأحزاب وفئات ومجموعات تحريض، وميليشيات مسيَّسة لا تملكها السلطات، وقد تعرف أو لا تعرف شبكاتها وطرق عملها. وهي قادرة على أن تموه نفسها بدقة وذكاء فتكون متحالفة/ أو متقاطعة مع بعض أجهزة السلطات ظاهرياً بينما تتناقض معها في العمق، وتنافسها في الداخل ويكون عداؤها لها على أشد ما يكون ومع ذلك تنفذ إلى مواقع القارا وتستغفلها وتوحي بأنها تفعل كذا وكذا ومن ثم تحملها مسؤولية ذلك. ويتم هذا بصورة ملحوظة أحياناً.

ويقوم الكتَّاب أنفسهم بدور في تهميش زملائهم في الأغلب الأعم، حيث يستخدمون الإعلام والإعلاميين والسياسيين ويضللونهم، أو يكونون هم أدوات لأجهزة أو متواطئين معها يسربون ما تريد، ويكون لهم في الأحوال كلها مآرب وحسابات خاصة، فيقومون ببلوغ مآربهم وتصفية حساباتهم بأساليب مواربة ومن خلال الآخرين، فيقوي هذا مركزهم ومركز المتسلط والسلطات ومرضى النفوس، ويكون على حساب الكاتب المستهدَف والإبداع والحقيقة والحرية والمصلحة العامة.

وفي حالات كثيرة يتم تهميش دور الكاتب وتغييبه عن الإعلام من طرف ميليشيات حزبية أو مذهبية أو طائفية.. إلخ تقاتل في الإعلام، ومن شلل مؤسسة على منافع متبادلة في جو من الفساد، أو على أسس وأمراض اجتماعية مثل التعصب والتطرف، أي نوع من التعصب والتطرف، والعنصرية، في بعض البلدان. وتجد الصراع على أشده في تلك الأحوال إمّا لأسباب مالية، " منافع"، وإمّا من أجل الوصول إلى المال والشهرة والنفوذ لدى السلطات، وإمّا هي حروب المتنافسين على النفوذ والهيمنة وهي حرب مستترة بشراسة وضراوة. 

في الإعلام المملوك من السلطة قد تتعارض مفاهيم الشخص: "الكاتب أو المفكر أو السياسي" واجتهاداتُه ومصالحه مع مفصل أو تفصيل من مفاصل ذلك الإعلام وتفاصيله، مع توجهات السلطة وسياساتها.. هذا إذا كانت توجهاتها واضحة ودقيقة ومعلنة ومتابَعَة بدقة وحرص من أكفاء، وتتّبع منهجاً مدروساً في مجال التعامل مع الكتابة والفكر والأدب وتريد توظيفها أو استثمارها لخدمة أهدافها، سواء أكانت وطنية عامة أو سلطوية خاصة، أو لخدمة خطط وسياسيات ضيقة متصلة بعهد أو شخص أو تنظيم أو رؤية آنية. والكاتب في هذه الحالة أمام خيارات، إيجابية وسلبية، منها: العمل وفق الممكن مادام لا يمس جوهر قناعاته، أو التخلي والبحث عن منافذ أخرى للتعبير عن الرأي والموقف. وفي هذا الموقع بمنحييه السلبي والإيجابي قد يكمنأكثر من فخ وأكثر من مصيدة ملغَّّمة. والكاتب في هذه الحالة قد يكون شريكاً أو ضحية، حسب الشخص والحالة والموقف وحسن الإدراك والتقدير والتصرف.

ونجد في هذا المجال ألواناً من السلوك والعلاقات تقوم بين الكاتب والمسؤول، في أي درجة من درجات المسؤولية كان المسؤول، نجد: النفاق المتبادل، الخوف المتبادل، التزلف، الشراكة المادية، التخطيط للنيل من آخرين، العمل المشترك لخدمة أهداف لا ترضى عنها السلطة ذاتها أو بعض مفاصلها، وقد تكون ضارة بالوطن وقضاياه وبمصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم، وقد تكون مناقضة لبنية خلُقية ومعايير يتوافق عليها الناس وقوانين نافذة.

وفي الإعلام المملوك من جهات خاصة يواجه الكاتب والمثقف صاحب الرأي والموقف أمراضاً وأعراضاً مشابهة لتلك الموجودة في الإعلام المملوك من السلطات في حالات، ويجد نوعاً خاصاً من التعامل والعلاقات والسلوك قد يفضي إلى تنافر بينه وبين الشخص المسؤول، أو إلى تناقض مع التوجه الخاص والسياسة المعتمَدة لهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك. إنه لا قد لا يوافق حين يرتبط النهي والمنع/ أو التوجيه والتسييس والتوظيف والاستخدام للأشخاص والطاقات والآراء والمعلومات، بأغراض وأساليب قد لا يرضى عنها ولا تتفق مع مبدئية يحرص عليها، وقد تتعارض مع أشخاص ذوي أيديولوجية وانتماء وتسييس خاص، فيكون لهم تعامل من نوع مختلف. 

فإذا كان الكاتب مستقلاً ومتعلقاً بالحقيقة والموضوعية التي تحكمها علاقة إنسانية أو مهنة سليمة، يعليها فوق كل مصلحة وشأن آخر، فإنه سيواجه الاختيار بين ما يوافقه وما لا يوافقه، ويتخذ القرار الذي قد يكون صعباً ومكلفاً. أما إذا كان الكاتب مجنداً في ميليشيا تقتحم المواقع الخاصة والعامة، إعلامية وغير إعلامية، لتعمل وفق برامج تنظيمها وأهدافه، فإنها سوف تراوغ أو تتصادم، وقد تخسر الموقع ولكنها لن تخسر البدائل التي يوفرها لها من ترتبط بهم وتعمل بالتنسيق والتوافق معهم، وسوف تكسب عند فريق وتخسر عند آخر.

وفي الحالات كافة لا بد من معيار يُحتَكَم إليه، ومن أساليب تضع في اعتبارها احترام الإنسان وحرياته وحقوقه، ولا بد من رؤية أعلى من رؤية آنية ومصلحية وتنظيمية وأيديولوجية، ترى في الإبداع الحق، أياً كان منتجه وموقف ذلك المنتج وانتماؤه، ترى فيه إضافة لها موقعها في ما تحققه الأمة وما يدخل في نسيجها الثقافي والإبداعي والحضاري، إضافة ينبغي الحرص عليها ووضعها في المكانة التي تليق بها.. ومن ثم لا بد من معيارية خلقية ومهنية سليمة فوق المصالح والمنافع وصراع الديكة الدامي المحتدم يومياً، معيارية تغربل الأشخاص والإنتاج والمواقف وتضع كلاً في مكانه باقتدار وحكمة وموضوعية ومنهجية ومهنية عالية وضمير حي.

 الإعلاميون ليسوا من جنس الملائكة والكتاب والساسة ليسوا كذلك. وقد يكون الإعلاميون والكتاب وحتى الساسة ضحايا التضليل وضيق النظر، وقد يقدمون أنفسهم على أنهم ضحايا. إنهم ينسون الجانب البشري، الشخصي والاجتماعي، فيهم ودوره في خلق مشكلات وحالات ومناخ غير صحي لهم ولسواهم. وفي حالات كثيرة يرون أنهم المركز والمعيار والناس، وكل ما يصيبهم هم يصبح قضية عامة وينسب لشرف المهنة أو يعلق على حبالها، وما يصيب الناس منهم لا شيء، ولا يعني أحداً! وأن كل ما يقومون به فوق الشك والقانون والتقويم.. إنهم الكل؟ ولا يدقق أحد في خلفيات ذلك كله وانعكاساته، ولا في ما للإعلامي والكاتب وسواهما من طبيعة بشرية وحالة فردية ذات خصوصية، وعلاقات اجتماعية ذات أعراض وأمراض، وسلوك شخصي يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والتكوين المعرفي والروحي، ومواقف قد تكون نابعة مما هو خاص جداً يغلَّف بـ " سولوفان" جماعي ووطني وقومي ومهني براق جداً.. وقد تكون غير ذلك تماماً.

ويكثر في تلك الجهات والجبهات وجود مرتبطين بسياسات وأجهزة يخدمون وفق خططها وسياساتها، ويرمون سهامها، وينامون ويستيقظون حسب الأمر والطلب، وهي جهات قادرة على التدخل لحمايتهم وفرضهم على الجهات الإعلامية التي قد تفرض عليها سياساتها أيضاً؛ الأمر الذي يجعل الإعلامي والكاتب في شَرَك حين يتعامل أو يتواصل مع الآخرين في هذا المجال، أو يكون محكوماً على نحو ما بهذا النوع من الأشخاص وتلك الأجهزة والمناخ الذي يخلق ويشاع. ومن ثم يفرض عليه إمِّا أن يقبل فيُرْفَعه سقوطُه إلى مراتب عالية في حالات، وإمَّا أن يرفض ويتنحى أو ينحىَّ، فيعتَّم عليه أو يحرم من كل ما يملكه من قدرات فكرية وإبداعية وتقنية ومهنية، في كثير من الحالات، وتشوَّه صورته وصورة إنتاجه، بوسائل وأساليب لا تمت إلى الخُلُق والمعرفة والموضوعية والتقويم العلمي بصلة.

 وفي إطار الكتاب، وهم ليسوا من جنس الملائكة بالتأكيد كما أسلفت، يتم تهميش متبادل أو مساهمة في التهميش عن طريق التعاون مع السلطة أو أجهزة الأمن أو وسائل إعلام وشخصيات ذات نفوذ لها صلات بتلك الوسائل أو نفوذ فيها وعليها، أو من خلال تنظيمات متصارعة تستهدف كاتباً وفكراً وإبداعاً وتوجهاً لأسباب منها الموضوعي ومنها البعيد كل البعد عن الموضوعية والمعيارية الخلقية السليمة وشرف الكتابة وشرف المهنة. ويتم إضعاف كتَّاب وعدم إنصافهم وتهميشهم والتعتيم عليهم بتعاون إعلام مع كتاب "الشلل المختلطة المكونة من كتاب وصحفيين وفنانين ورجال سلطة، وبعضهم يكون في أجهزة أمنية أو على صلة بها ".

والكاتب قد يكون عرضة لتهميش أو تغييب من نوع أخطر، وهذا النوع لا يحدث تأثيره إلا من خلال استعداد الكاتب الداخلي للانتفاخ ولعب الآخرين على ذلك الاستعداد واستثماره إلى درجة إعلان إفلاس الكاتب بعد عمر قصير.. وأعني تغييبه بنفخه فقاعة صابون تتماوج في أشعة شمس، نفخه إلى درجة التشظّي لاحقاً. وينفخ لأسباب وأهداف تقوم كلها على الاستعداد الشخصي، ويتم ذلك بصورة كثيرة إمّا بنوايا حسنة ـ وجهنم مفروشة بالنوايا الحسنة كما يقولون ـ وإمّا بنوايا سيئة، ومن ثم يعوَّم في بحيرة من رغوة الصابون تضاعفها حالته النفسية فراغاً على فراغ، ولا يلبث أن يصاب بالغرور والتعالي ثم بالخواء الداخلي والإفلاس، فيبهت ويتهافت ثم يُنسى أو يُهمَل أو يغيَّب أو يغيب. والأساليب المفضية إلى ذلك كثيرة والأمثلة عليه أكثر. وفي حالات عدة يأتي تغييب الكاتب من كتَّاب، في منافسة غير شريفة، وعبر تواطؤ مع وسائل إعلام وأشخاص فيها ومع "نقاد" إعلام يستثمرون في هذا الميدان، ويتعاملون مع الإعلام والسلطات والأيديولوجيات.

إن الحالات المرضية والعلاقات المرضية تخلق مناخ تعامل مريض، هو أشد ما يكون خطورة على الكاتب وأعظم تأثيراً في تهميشه أو تغييبه أو إضعاف أدائه وحضوره وتشويه صورته وإنتاجه وتهشيمه، من أي تحديات أو عوامل أخرى مباشرة أو غير مباشرة. إن التحديات تحفز الكاتب على المواجهة في مناخ صحي بينما في المناخ الموبوء لا يدفع التحدي باتجاه التحريض البناء لأنه ليس مرتكز المنافسة الشريفة ومنطلقها، وإنما مرتكزها الإلغاء والمحو بأشكال منها: التآمر والتواطؤ والإبعاد والاستبعاد والقتل في الظلام.

لسنا في الجنة في هذه المجالات، ولسنا من جنس الملائكة مطلقاً، ولكن كثيرين منا يطحنهم حجر الرحى الذي يدور ويدور ما دامت الحياة واستمرت الحركة، والحياة حركة، والحركة تنتج التغيير.. وكل ما نرجوه أن يكون التغيير باتجاه الأفضل.. لأن خسارة الإنسان وإبداعة خسارة للثقافة والحضارة.

 دمشق في 23/2/2007

موقع علي عقلة عرسـان

 

أبواب الموقـع

الرئيسيـة

تعريـف

مقــالات

نقد النقد

 

نقد الروايـة

 

حـوارات

 

إصـدارات

مؤلفات  
روايات  
ترجمـات  
مؤتمرات ونـدوات
وطنيـة  
دوليـة  
متابعـات صحفيـة
حول إصداراتنا  
حول أنشطتنا  
مختلفات  
قراءات مفتوحة (ملف مفتوح لكتابات مقبلـة)
الرواية  
النقـد  
الثقافـة  
نشاط أكاديمي
الأدب العام والنقد المقارن  
المقارنون العرب اليوم  
مشروع معجم مصطلحات الأدب  
معـارك أدبيـة
مجلة الزمان المغربـي
رسائل الأعـزاء
محليـة  
دوليـة  

صـور

روابـط

للاتصـال بنـا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008