إصدارات د. سعيد علوش

 

 

 

 

 

 

 

 

بوجمعة أشفـري

بورخيس الواحد المتعدد:

مقاربات في نصوص مركبة

 

يعتبر كتاب "الواحد المتعدد" (1) الأول ضمن سلسلة "تجارب" وهي أحد أهم الأنشطة التي تنظمها مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب حول نماذج نوعية في جنس القصة القصيرة، ويشكل هذا الكتاب وقائع اليوم الدراسي الذي نظمته مجموعة البحث حول الكتابة القصصية عند الكاتب الأرجنتيني لويس بورخيس.
وتتنوع الدراسات التي تضمنها الكتاب تنوع أدب بورخيس القصصي، "فمنها ما يتناول قضايا التداخلات الثقافية، وخاصة القراءات البورخيسية لموضوعات وقضايا ونصوص من الثقافة العربية الإسلامية (ابن رشد وألف ليلة وليلة) ومنها ما يتناول رؤية بورخيس الأسطورية للأدب بوصفه فعلا خلاقا يمنح التاريخ الإنساني هويته، ومنها ما يقارب بعض الوسائل الفنية التي ينجز بها الكاتب تخييلاته القصصية كالحبكة والزمن وإعادة الكتابة والازدواج الفنطاستيكي"<2>
تسع دراسات تناولت هذه الحوصلة الاختيارية، سبع منها قاربت نصا محددا بعينه، واثنتان ركزتا على "جولة قرائية" لنصوص وكتابات بورخيس. الباحث والكاتب عبدالفتاح كيليطو تقدم الدراسات بنص عميق موسوم بـ "يوم في حياة ابن رشد" في بدايته يؤكد كيليطو أن ابن رشد ظل شديد الحنين إلى الشرق، فقد "ظل موسوما بشعر البيداء البعيدة "(3) ولعل تلخيصه لفن الشعر لأرسطو أسطع دليل، رغم أن ابن رشد "لن يفطن أبدا إلى كون هذا الكتاب يتحدث إجمالا عن المسرح، وإن ما ضلله هو الترجمة العربية التي اعتمد عليها (ت/ متى بن يونس الأرجح)"(4).. وهو ما أحدث سوء فهم وقام بورخيس بوصفه، في بحث ابن رشد. ثمة لبس في نص بورخيس يشير الباحث ولعله مقترن بموضوع العمى، العزيز على بورخيس، ويؤكد د. عبد الفتاح كيليطو على ضرورة وضع قصة بورخيس في إطار محدد "حيث للنهار والليل، للخارج والداخل، دلالة معينة"(5). إنها ثلاثة مراحل محددة تشكل مسارا خطيا محددا:- نهار: تحرير تهافت التهافت - ليل: جلسة سمر. - فجر: وقت التباس = انكشافا خادعا لمعنى تراجيديا وكوميديا.
الناقد حسن حلمي تناول نص "الصانع" بمداخلته "بورخيس وهوميروس عمى الأسطورة" ولعلها تنطلق من محاورة مقولة بورخيس "توجد الأسطورة في أول الأدب، وتوجد في آخره أيضا"(6)، والأسطورة هنا "العمى في مقابل البصر والبصيرة، الغواية والضلال في مقابل الرشاد" وهي المفاتيح الاستقرائية المقترحة لقراءة نص بورخيس "الصانع"، يؤكد الناقد أن "أعمى الأرجنتين يستمد أسطوريته وعماه من هذا الإغريقي الأشد ضلوعا في الأسطورة والعمى"(7). لذلك صاغ السارد في مفتتح نصه "الصانع" بناء "يحتفي بالحواس" ليقدم "لب موضوعة الصانع الأساسية أي العمى" والذي يغور عميقا في استكشاف إمكانيات الأدب الماورائية. يقدم الباحث توصيفا دقيقا لنص الصانع يجعله فضاء سرديا تتماهى فيه ذات بورخيس مع هوميروس في لحظات خلود لا نهائي ـ كما ننتبه لتدقيق الباحث "في هذا النص المليء بالألاعيب السردية يستعرض الصانع مهاراته ذاهبا إلى أبعد الحدود في استكشاف الإمكانات الميتافيزيقية للنص الأدبي"(8)، ملامسا على حد تعبيره "قضايا ابستيمولوجية" تتعلق جميعها بالخلق، الذاكرة، الزمن، الخلود، الوهم، الحقيقة. تبقى إشارة مهمة في دراسة الناقد حسن حلمي صيغت بحس افتراضي معرفي، تتعلق "برؤية بورخيس القائمة في جوهرها على استكشاف الإمكانيات الميتافيزيقية للأد "(9) ويبدو أنها رؤية تنكشف في عمى الأسطورة.

"
عبدالله وبورخيس" بهذا عنوان اختار القاص مصطفى جباري تحسس معالم كتابات بورخيس من خلال التساؤل حول الليلة 602 التي تحكي فيها شهرزاد لشهريار قصتها الشخصية، لكن مادام "الكتاب في ذاته موجودا"(10) فإن عبدالله (أو أنا أو أنت) سيجد أن الكتاب متعدد التجلي، لكن من "اضطلع بنقل الحكاية الإطار؟"
ورغم الاعتراف بكذبة بورخيس، فإن الكاتب مصطفى جباري يشير بذكاء لأثر عمى بورخيس: القصة مجاز عن العمى، ومع ذلك يصبغ الكاتب على دراساته نمطا سرديا يقوم على الحكي، بشكل تبدو معه المفارقة في البحث مفتوحة على مرآة الكتابة وحتى لو سقطنا في فخ التمويه الذي تحدده الترجمة ووسائطها، فإن الكاتب عرف كيف يمكن أن نعبر كتابات بورخيس دون الحاجة للبصر والبصيرة... "البناء المرآوي في قصص بورخيس من خلال قصة "موضوع الخائن والبطل" عنوان دراسة القاص والكاتب أحمد بوزفور التي تناولت قصة بورخيس "موضوعة الخائن والبطل" من خلال ثلاث لبنات أساسية: الشخصيات، النصوص والحبكات.
ويشير الكاتب أن "الفعل المركزي في القصة هو فعل هذه الشخصيات الثلاث (الكاتب، ريان، نولان) أما موضوعة الخائن والبطل فليست إلا حيلة ماكرة يخبئ بورخيس فيها وبها موضوعه الحقيقي: الكتابة.(11)
إن أهم ما تفعله القصة بالنصوص هو هذا الفعل المرآوي الانعكاسي، لكن من خلال مقولة بورخيس القدرية "الأدب يكرر نفسه". إن الذي يجمع بين نصوص القصة هو التكرار "الشكلي والدوري" سواء في النصوص الأدبية أو التاريخية أو الفكرية.  في لبنة الحبكات ينطلق الكاتب بوزفور من حبكات ثلاث تأتلف جميعها في عملية التخييل والتخيل، قصة "التأليف" قصة "الكتابة" ويصل الكاتب في قراءة عامة لخلاصة البناء المرآوي كخاصية موحدة لجل قصص بورخيس لكنها تكتب بمزاج شعري، لذلك فالشعر لديه في الرؤيا العامة للكون.  د.عبدالمجيد جحفة قارب قصة "كتاب الرمل" من خلال سؤال جوار الواقع واللاواقع عند بورخيس عبر تناول مستويين اثنين مواد القصة وبعض خصائصها، وإذا كانت ثيمة الانطلاق هي فكرة هجرة الكتاب التي هي فكرة ميتافيزيقية رغم بساطة حكيها، لكن ميتافيزيقية الفكرة تقوم على تجاوز منطقي سلس، طبيعي للواقع واللاواقع . أما "أشكال الاستحالة" فهي محرك بورخيس الحكائي. وحول نص بورخيس "بيير مينار مؤلف الكيخوطي" سجل الكاتب إبراهيم الخطيب ملاحظات أساسية حول تقاطع القراءة والكتابة مؤكدا على تلازمية نقدية أساسية في عوالم بورخيس الحكائية فالقراءة والكتابة "عملان متطابقان". إن النص القصصي موضوع الدراسة شكل لحظة تحول بالنسبة لبورخيس فأمسى كاتبا تخييليا، ويشير الباحث إن القصة تضعنا أمام أهم خاصية كتابية "القصة مجال لإبراز الهوية المضاعفة للقارئ الذي يرى نفسه في مرآة النص"(12) وتعتبر ممارسة بورخيس للأدب تأملا في عدم أصالته مما يجعل التضمين أحد أبرز مظاهر هذا التقاطع بين القراءة والكتابة، ولعل في قصته المختارة وجه محدد لهذا الاشتغال بحيث يحضر التضمين "ليس باعتباره استشهادا، وإنما كإنتاج أو ابتكار لممارسة جوهرها المحاكاة<13>. ويشير الكاتب إبراهيم الخطيب إلى خاصيتين ميزتا كتابة بورخيس، فالعودة الأبدية والتكرار التاريخي مكمن شغفه ومغذي أسطورة كتابته، ومفارقة الارتداد كنسق دائري قائم. د. حسن بوتكي في دراسته "بعض تجليات العجائبي في مجموعة الألف" ينطلق من تحديدات تودوروف للمفهوم العجائبي في كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" مع تحديد ثلاثة مداخل لمقاربته: 1-الشكوك واللبس.2- الأحلام كعوالم عجائبية.3- المتاهة والنظرة إلى العالم.  ويعتبر د. حسن بوتكي عنصر المتاهة من الثوابث في قصص بورخيس، لأنها "تستجيب لنظرته وتأويله للعالم"(14) هذا العالم الفوضى، زيادة على بعدها الرمزي للدلالة على لا معقولية العالم، لكنها عنصر بنائي، تمكن بورخيس من خلق "بناء مركب ومعقد المستويات"، لكن المرآة كموضوع تتكرر وكمكون بنائي لها دور تركيبي في وسم أقاصيص الألف بنكهة عجائبية.
"
آخر بورخيس" للجمالي والكاتب بوجمعة أشفري تنطلق من انطباع قرائي لا يمكث أن يتحول لإشارة استقرائية إذ إن تحديده لعوالم الكتابة عند بورخيس ينطلق حسبه من "منبع ميتافيزيقي"، ويعمق الكاتب من إشارته الاستقرائية بنعته كتابات بورخيس "تقليصها المتعدد إلى المضاعف، ثم في النهاية إلى الواحد" (15) وأيضا عامل الزمن الذي هو شعرة تصل كتابات بورخيس بنفس واحد، الزمن أكثر متاهة، لذلك يحول الفضاء إلى زمن، الزمن هو الفكر، والعالم هو امتداد لهذا الفكر، ولبورخيس مقولة تعري ولعه بفكرة الزمن: "الزمن لن يكون واقعا خارج ذواتنا ".
في قصة الآخر أو في قصص أخرى توجد متاهات مرايا تتكرر وتتعدد . في "مخيلة الكتابة القصصية عند بورخيس" لـ د. قاسم مرغاطا تناول لبعض الخصائص والسمات المميزة لمخيلة الكتابة القصصية لبورخيس وذلك من خلال قراءة هذه المخيلة في قصة "الدنو من المعتصم" التي تنبني على عنصر جامع لجميع نصوصه "المثاقفة"، تناول د. قاسم مرغاطا دراسته من خلال محورين: المحور الأول مستويات حركة المخيلة، والمحور الثاني الصور والتخطيطات والنماذج المتخيلة. إن النص التخييلي (النموذج المقترح) يمتاز بقدرة على المزج بين تخييلات عديدة، مخيلة "تنزع إلى التقاط النماذج الأصيلة والاستعارات الكبرى وإخضاعها لتحويلات سياقية جديدة تكسبها التنوع والعمق"(16) إن القصة فضاء بورخيس لإعادة كتابة تخييلات سابقة داخل نفس القصة الأصلية.
إن تحول القصة إلى فضاء أثيري " للتداخلات النصية " يثري القراءة لعالم بورخيس، مما حول جل هذه المقاربات التسع لنصوص إضافية ملحقة خططت مراياها أيضا وفتحت لقارئ إضافي متاهته الخاصة.
ولعل هذا المعطى يزكي دائما تلك الرؤية التي حاول المبدعون المغاربة على الخصوص للأدب الأمريكي الجنوبي تحلية مياهها، ليس من بوابة عيون المثقفين الأسبان لكن من منابع متعددة، إنها القارة البكر، التي طالما تثاقفت مع "آخر" الآخر. نصوص بورخيس ظلت قابلة لاستقراءات جديدة، وهي عنصر يعري آفاقها المتنوعة، ولعل سمة التنوع تجيب على منطق الصيرورة، مع الإشارة إلى انفتاح السرد البورخيسي على تعدد ثان يكمن في الرؤى المحايثة لفعل القراءة. فهل كانت هذه المقاربات التسع تختزل فعل التحويل الذي تمارسه كتابة بورخيس أم أنها شكلت مراياها هي أيضا، كذبها، ونسجت شجرة مشرقية وفق مزاجها الخاص؟.


-----------------------

 

إحالات وهوامش:
1- "
الواحد المتعدد: دراسات في قصص بورخيس" سلسلة تجارب 1، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، المعهد الثقافي سرفانتيس الإسباني، ط1 /2003.
2-
نفس المرجع ، ص 8.
3-
نفس المرجع ، ص 09.
4-
نفس المرجع ، ص 10.
5-
نفس المرجع ، ص 14.
6-
نفس المرجع ، ص15.
7-
نفس المرجع ،ـص 16.
8-
نفس المرجع ، ص 20.
9-
نفس المرجع ، ص 27.
10-
نفس المرجع ، ص 30.
11-
نفس المرجع ، ص 52.
12-
نفس المرجع ، ص 69.
13-
نفس المرجع ، ص 70.
14-
نفس المرجع ،ص 80.
15-
نفس المرجع ، ص 89.
16-
نفس المرجع ، ص103.

بوجمعة أشفـري

 

أبواب الموقـع

الرئيسيـة

تعريـف

مقــالات

نقد النقد

 

نقد الروايـة

 

حـوارات

 

إصـدارات

مؤلفات  
روايات  
ترجمـات  
مؤتمرات ونـدوات
وطنيـة  
دوليـة  
متابعـات صحفيـة
حول إصداراتنا  
حول أنشطتنا  
مختلفات  
قراءات مفتوحة (ملف مفتوح لكتابات مقبلـة)
الرواية  
النقـد  
الثقافـة  
نشاط أكاديمي
الأدب العام والنقد المقارن  
المقارنون العرب اليوم  
مشروع معجم مصطلحات الأدب  
معـارك أدبيـة
مجلة الزمان المغربـي
رسائل الأعـزاء
محليـة  
دوليـة  

صـور

روابـط

للاتصـال بنـا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008