إصدارات د. سعيد علوش

 

 

 

 

 

 

 

 

سعيد بنگــراد

ممكنات النص ومحدودية النموذج النظري

تمهيد

عرف النقد الأدبي العربي في الثلث الأخير من القرن الماضي هزة عنيفة زعزعت الكثير من قناعاته ودفعته إلى إعادة النظر في أدواته التحليلية وفي نمط تعامله مع النصوص. فقد وجد نفسه فجأة أعزل أمام سيل من النظريات الأدبية، كلها تقدم نفسها على أنها المحاولة الأمثل للكشف عن خبايا النص وأسراره، ولها في ذلك من الأسس المعرفية والمفاهيم والإجراءات ما يزكي هذا الادعاء ويقويه..

ولئن كانت هذه النظريات قد نجحت في توجيه اهتمامنا إلى مستويات وأبعاد في النص لم ينتبه إليها النقد العربي قط، فإنها مع ذلك لم تنجح في تجديد هذا النقد وإثراء منطلقاته بأصول نظرية إضافية كان بإمكانها، في شروط أخرى وبوعي معرفي آخر، أن تحدث نقلة نوعية في تصورنا للممارسة النقدية والنص الأدبي على حد سواء. وكل ما نجحت في تحقيقه هو إغراق السوق النقدية بترسانة هائلة من المصطلحات والمفاهيم التي تحولت مع مرور الزمن إلى أدوات صماء رعناء لا تحيل سوى على ذاتها بعيدا عن غنى النص وإحالاته الدلالية المتنوعة.

ولواقع الحال هذا أسباب عدة لعل أهمها طريقة التعاطي مع منتوج فكري لا تُخفي إنسانيتُه وكونيتُه تجذرَه في تربة ثقافية لها خصوصية في مفصلة الدلالات والتقطيع المفهومي. ففي أغلب حالات " الاستيراد" كان الناقل يكتفي بنقل مصطلحات ومفاهيم مفصولة عن سياقها الفكري وعارية من أي غطاء فلسفي، وتكتفي في أحسن الحالات بوصف النص ومكوناته خارج غاياته الدلالية والجمالية، مما حول الفعل النقدي إلى ممارسة تقنقراطية تقف عند حدود الوصف والتعيين المباشر لمكونات النص المباشرة.

والحال أن النظريات في أصولها الفلسفية هي التجسيد الأسمى لوعي حضاري يجد تعبيره الأمثل في طريقة التعاطي مع المنتوج الإنساني بكل أشكاله، وخارج هذه الأصول لا يمكن الحديث عن نظريات أو ممارسات مهما كان شكلها. ولهذا السبب فإن عمليات النقل والتفاعل لا يمكن أن تتم من خلال مفاهيم أو مصطلحات تعين قضايا نصية فقط، أو تشير إلى مكونات الوقائع النصية فقط، بل تتم من خلال التفاعل مع هذه النظريات من خلال استيعاب أسسها الفلسفية أيضا وأساسا، فما ينتمي إلى البعد الفلسفي التجريدي هو وحده الذي يمكننا من إقامة جسور بين الثقافات المتنوعة وهو الذي يمكننا من استيعاب الحالات العامة، أما الممارسة فتعد التطبيق المخصص الذي يقود إلى إغناء النظرية من خلال مدها بعناصر محلية تمنحها تلوينا فكريا خاصا، ولنا في تراثنا العربي الإسلامي من الدروس في التعاطي مع منتوج الآخر ما يمكننا من التفاعل السليم والصحي مع المنتوج الغربي المعاصر.

انطلاقا من هذا التصور سنتناول في هذا المقال نظرية من أهم النظريات السردية التي عرفها القرن العشرين، ويتعلق الأمر بالمقترحات التي جاءت بها السميائيات السردية. وسنقوم بذلك على مرحلتين : سنقدم في المرحلة الأولى الأسس المعرفية التي قامت عليها هذه المدرسة، ونقدم في مرحلة ثانية مجموعة من الملاحظات النقدية تتعلق بتصور هذه النظرية للنص والقارئ وإنتاج الدلالة وطرق الكشف عنها.

ولن نقدم بطبيعة الحال عرضا شاملا عن هذه النظرية التي عُرفت بصرامة تحليلية قل نظيرها، فذاك أمر يتجاوز حدود هذه الصفحات ولا يحتمله المقام أيضا، وسنكتفي بالإشارة إلى بعض المبادئ العامة التي قامت عليها والأساس الفلسفي الذي يغذي تصوراتها للمعنى وأشكال تجليه.

 

 I - الأسس المعرفية

خلافا للنظريات السردية التي عرفت النور في القرن العشرين ( مقترحات بروب، جونيت، بريموند ... )، تتميز السميائيات السردية بخاصة رئيسة هي تركيزها على قضايا المعنى، فحدودها الوصفية تستعصي على الضبط والإدراك خارج آليات إنتاج المعنى واستثماره في وقائع محسوسة، فالعالم الإنساني ليس كذلك إلا في حدود إحالته على معنى ( گريماص)، والمعنى لا يوجد فيما تحيل عليه الأشياء بداهة، بل مكمنه السيرورة التي تتشكل من خلالها الأشياء باعتبارها دالة على معنى، « فما يكون هو ما ينظم، وهو ما يمكننا استقبالا من التحكم في المعنى» (1). فكل فعل يحتوي، بشكل ضمني أو صريح، على إمكانات توليد سيرورة دلالية قد تتطور في اتجاهات لا حصر لها ولا عد. وتلك أيضا سمات المحكي، فانطلاقا من نواة حكائية بسيطة يمكن توليد سلسلة لامتناهية من الحكايات.

إن هذه الخاصية تجعل السميائيات السردية نشاطا معرفيا لا يرتبط بممارسة بعينها، فهي تقدم لنا نموذجا تحليليا يتجاوز ما يقدمه السرد بقضاياه النظرية والتطبيقية، لكي تهتم بكل الوقائع الدالة التي تنتجها الممارسة الإنسانية، ويندرج ضمن ذلك الصورة ( بأنواعها) والإيماءات الجسدية وأشياء العالم والطقوس الاجتماعية وجزئيات الفعل اليومي، كالطقوس الخاصة بالوصفات المطبخية ( تهييئ الحساء مثلا). بل هناك ما هو أكثر من ذلك، فقد تجاوزت السميائيات هذه الحدود لتهتم بحالات الوجدان المتنوعة.

ولقد قدمت لنا في السنوات الأخيرة برنامجا نظريا بكرا يرسم للسميائيات آفاقا جديدة، يمكم من خلاله الانتقال من دراسة " حالات الأشياء" إلى الاهتمام "بحالات النفس"، كما يشير إلى ذلك عنوان كتاب گريماص الأخير "سميائيات الأهواء، من حالات الأشياء إلى حالات النفس"، الذي كتبه قبيل وفاته بأقل من سنة بالاشتراك مع جاك فونتنيي. فلم تعد السميائيات تشتغل بالسردي وآلياته بل أصبحت تهتم بمسارات أهواء النفس، وهي المسارات التي كانت حكرا على علم النفس ومشتقاته. وهكذا أصبحت " الغيرة" و"الحسد" و"التحدي" و"البخل" و" الاستفزار" وكل الطاقات الانفعالية المصنفة ثقافيا واجتماعيا موضوعا من مواضيع السميائيات. وآخر كتاب يندرج ضمن هذه النقلة النوعية صدر 1998 ويحمل عنوان " التوتر والدلالة " ( * tension et signification )، وهو من توقيع تلميذين من تلامذة گريماص ويتعلق الأمر ب كلود زلبرباغ وجاك فونتنيي.

وهذا ما يفسر نغمة الحماس والاندفاع التي صاحبت نشأة هذا النموذج المعرفي وتطوره. فلقد فاقت طموحاته كل حد إلى درجة الزعم بامتلاك القدرة على الإمساك بالمعنى الكلي للنص ( وكأن النص خزان تودع فيه الدلالات كما يودع القمح في الجرن). فقوة النظرية وجبروتها المصطلحي وتدقيقاتها ستقود، في تصور سميائيات مدرسة باريس، إلى الكشف عن " الكنز المرصود "، وهو كم معنوي أودعه المؤلف خلسة أوعلنا في النص ( روايات الأطروحة مثلا)، وسيقوم التحليل " الصحيح" من جهته بإعادة اكتشافه من خلال الاهتداء بتعاليم  تسندها مفاهيم صارمة تتبع خطوات محددة داخل برنامج تحليلي صارم سينتهي بالمحلل إلى إماطة اللثام عن السر النهائي أي الكشف عن دلالة النص.

وعلى الرغم من أن الكثير من أتباع گريماص تراجعوا عن هذا الوهم، فإن تنسيب الحكم لم يقدهم إلى التخلي الكلي عن فكرة الإمساك بالحدود الدلالية الأصلية، فلقد اكتفوا بالقول بوجود تناظر دلالي أصلي تتفرع عنه تناظرات صغيرة. إلا أن هذه التناظرات الفرعية ذاتها ليست مفصولة عن الأصل الدلالي الأول. فالدلالات الجزئية التي نعثر عليها في النص- وهي دلالات تتطور على هامش الكتلة الدلالية الكبرى -  لا تقوم في نهاية الأمر سوى بتدعيم التناظر الكبير الذي يشكل بحق الكون الدلالي الروائي، أو القصدية الأصلية للنص، وهي قصدية لا تختلف في شيء عن قصدية المؤلف، فالمؤلف هو المحفل الذي تفيض عنه البنية الدلالية الأولي وهو الذي يحدد لها أشكال تحققها، وهو الذي يمسك بتوجهاتها.

وسنحاول فيما يلي تحديد بعض المنطلقات المعرفية التي تبرر، في نظر هذا التيار، بلورة نماذج تحليلية صارمة من حيث الخطة المنهجية، ومن حيث ترسانة المفاهيم التي تعتمدها في مقاربة النص. فبدون الاهتداء إلى هذه الأسس ستظل معرفتنا لهذه النظرية معرفة سطحية لا تكترث للبعد الفلسفي الذي يمدها بالمفاهيم. وسنناقش في مرحلة ثانية مردوديتها التحليلية وقدرتها المزعومة على الإحاطة بالكلية الدلالية التي يعبر عنها النص.

تستند السميائيات السردية إلى تصور نظري يري في رحلة الكائن البشري على الأرض برنامجا منظما ضمن مسار يربط بين شكلين من أشكال الوجود القيمي، وجه مجرد يحتوي على النماذج العامة التي تختصر الحالات الثقافية في أحكام تصنيفية عامة ( كالصدق والأمانة والخير والشر والحياة والموت)، ووجه مشخص يشير إلى النسخ المشتقة من هذه النماذج، وتشكل هذه النسخ ما يشبه التركيب السطحي المنظم للقيم في حالات مخصوصة ( كل الأوضاع التي تجسد هذه القيم ضمن حالات حكائية متنوعة).

وعلى الرغم من إمكانية الفصل هذه بين الشكلين، فإن الترابط بينهما وثيق جدا لدرجة أننا لا يمكن أن نتصور هذا الحد دون إثارة الحد المقابل. فالنماذج لا يمكن أن توجد في غياب النسخة التي تخبر عن جوهرها، ولا يمكن أيضا فهم النسخة واستيعاب دلالاتها إلا استنادا إلى ما تقدمه النماذج. ويعد النموذج في مفهومه البسيط  سلسلة من " التراكمات" المندرجة ضمن الدفق الزمني لسلوك مفرد يتميز بالتكرار.

وعلى هذا الأساس لا يمكن فهم ممكنات الفعل الإنساني إلا استنادا إلى هذا التمفصل البسيط، فكل الحالات المخصوصة ليست سوى معادلات مشخصة للوجه القيمي المجرد، وهي حالة تصدق على السلوك الجماعي كما تصدق على السلوك الفردي. انطلاقا من هذا الاستقطاب الثنائي نُظر إلى النص السردي باعتباره كيانا فنيا يعيد إنتاج هذا التمفصل البسيط ضمن عوالم سردية " اصطناعية" يشيدها محفل مبدع، ولا يمكن لهذا النص أن يدرك إلا من خلال هذا التمفصل. فكيف يتم  هذا البناء ؟ وكيف تتم عملية توليد الدلالات والمحكيات المتنوعة على حد سواء استنادا إلى السقف القيمي البدئي ؟

إن النص في تصور السميائيات السردية يُبنى من خلال إسقاط " مسار توليدي" يحدد المستويات التي تحتضن السيرورة المولدة للمعنى ( لا وجود للمعنى إلا من خلال سيرورة ما). فهذا المسار يقود من أشد المستويات تجريدا - ذاك الذي يمثل داخله المعنى على شكل حدود مفهومية مجردة غير مسيجة بأي سياق، أي وحدات منتظمة ضمن علاقات منطقية ولا تحيل سوى على ذاتها - إلى أكثر المستويات محسوسية - تلك التي تتحول داخلها القيم المفهومية إلى قيم دلالية مدركة من خلال وضعيات إنسانية حيث تتحرك الشخصيات وتفعل وتسافر وتقيم صداقات وتنبري للدفاع عن مصالح - وفق خطاطة معيارية ثابتة تتخذ شكل مستويات مترابطة فيما بينها.

فهذا الانتقال يتم من خلال مستوى توسطي يربط الوجود المحايث للقيم بأشكال تجلياتها، ويتعلق الأمر بالبعد السردي الذي يقوم بربط المجرد بالمحسوس. وفي هذا المستوى تتحول العلاقات التي تشير إليها البنية الدلالية البسيطة من قبيل :

                                                             حياة (م) موت

إلى عمليات تركيبية تعد التباشير الأولى للفعل السردي كما سيتحقق استقبالا من خلال فعل محسوس. « فما بين المحافل الأصلية الأولى حيث تتلقى المادة المضمونية أولى تمفصلاتها وتتشكل باعتبارها شكلا دالا، وبين المحافل النهائية حيث تتجلى الدلالة من خلال لغات متعددة، يمكن إدراج محفل للتوسط تنتظم داخله بنيات سميائية تمتلك وضعا مستقلا من بينها البنيات السردية، وهي البؤرة التي تتبلور داخلها تمفصلات إضافية».(2)

ولكي تتحقق هذه التمفصلات، فإن هذه العمليات تستدعي ذاتا ( كائن ما تنسب إليه أحداث ) يشير وجودها إلى إمكانية القيام بفعل ما، فالمعنى لا يمكن أن يوجد إلا مجسدا في وضعيات، لذا لا يمكن تصور معنى خارج الدائرة الإنسانية التي تشير إليها كائنات هي المنتجة للمعنى وهي المستهلكة له وهي أولى ضحاياه.

وكما أشرنا إلى ذلك أعلاه فإن هذا المستوى يقع في موقع توسطي يفصل بين التجريد المطلق والمحسوسية المطلقة، إلا أنه يشير، في الآن نفسه، إلى العلاقات الممكنة بينهما. فهو وثيق الصلة بالمستوى الأول لأنه وجه مشتق من العلاقات ونتيجة منطقية لوجودها، فعلاقة من نوع :

                                                        استعباد - حرية،

تفترض إمكانية زحزحة هذه الحدود من خلال إسقاط عملية تركيبية تقود من الاستعباد إلى الحرية، ومن خلال هذا الإجراء نخلق حالة نفي تكون متبوعة بحالة إثبات وفق سيرورة سنرى طبيعتها لاحقا.

ويرتبط هذا المستوى من ناحية ثانية بالحد المحسوس، لأن فكرة الاستعباد تسقط بشكل ضمني دائرة المستعبد ( أي كل العوالم التي تحيل عليها قيمة الاستعباد)، كما أن فكرة الحرية تشير إلى الدائرة القيمية التي يمكن أن يتحرك داخلها الحر . وهو ما يعني تحديد فضاء جديد يحتضن الفعل ويكثفه في أشكال مجردة، ما يطلق عليه في السميائيات السردية بالدائرة العاملية أو النموذج العاملي. فقبل أن تكون هناك شخصية لها اسم وهوية وتاريخ وقصة وتقوم بأفعال محددة، كانت هناك دائرة تشير إلى مضمون سلوكي مسكوك. فالمستعبد صيغة للفعل المجرد الذي يحتوي على كل الأشكال التي قد يتحقق من خلالها فعل الاستعباد سواء كان هذا الاستعباد فرديا أو جماعيا، سياسيا أو اقتصاديا أو دينيا، قسريا أو اختياريا.

وتستمد هذه العمليات صياغتها التجريدية من طبيعة الدلالة وعلاقتها بالمواد الحاملة لها، فمجمل المراحل التي يشير إليها المسار التوليدي منبثقة من فكرة أساس إليها استند گريماص من أجل صياغة تصوره لعملية انبثاق وتجسد المعنى في حالات مخصوصة.

فإذا كانت الدلالة لا تكترث للمادة الحاملة لها ( وهي فكرة أشاعها ونظر لها هلمسليف قبله )، فالقيمة الدلالية الواحدة يمكن التمثيل لها بطرق متعددة، فسيكون بالإمكان تصور « مستوى بنيوي مستقل تنتظم داخله كميات هائلة من الدلالات يمكن أن تستوعب حدودها نظرية عامة للسميائيات، فمن مهام السيمائيات الكشف عن تجليات الكون الدلالي باعتباره كلية معنوية من طبيعة ثقافية أو فردية «. (3)

فبإمكاننا، والحالة هذه، تصور حقل دلالي لا تضبط حدوده تجربة مخصوصة، ولا يشير إليه سياق نصي محدد ولا يرتبط بكيان ما. وفي هذه الحالة سنعيد صياغة المعادلة الخاصة بمفهومي المحايثة والتجلي وإعادة تعريف حقليهما. فالنص لا يولد المعنى، فالمعنى معطى من خلال بنية سابقة في الوجود على تجلي الوقائع المحسوسة، وهذه الوقائع تشتغل باعتبارها ذريعة نستطيع من خلالها بناء عالم المعنى منظورا إليه ككون ممفصل. وعلى هذا الأساس، « فإن  توليد الدلالة لا يمر عبر إنتاج ملفوظات منتظمة داخل خطاب، فالدلالة تستند في وجودها إلى البنيات السردية التي تنتج الخطاب الذي يفترض فيه أنه يتفمصل في ملفوظات «. (4) وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام حالات يمكن التمثيل لها بسلوكنا نحو الأطفال. فبما أن الطفل لا يستطيع استيعاب قيم مجردة كالخير والشر والصدق والأمانة، فإن أحسن الطرق التربوية هي تلك التي  تصوغ هذه القيم على شكل قصص، أي " تشخصها" من خلال صبها في وضعيات محسوسة.

إن هذا التصور يحيلنا على فرضية ثانية تتعلق بتحديد البؤرة الأساس التي تتجلى فيها ومن خلالها الحالات الدالة على الوقائع السردية. فعلى الرغم من أن الطابع السردي معطى من خلال الفعل المدرج ضمن حركية الفعل الإنساني الذي يقود من حالة إلى حالة، عبر رواية أحداث تدرك من خلال الزمن باعتباره مدى محسوسا بين الأفعال، فإن الإمساك بجوهرها لا يتم في مستوى التجلي المباشر. فالسردية لا توجد في المستوى السطحي حيث تأخذ القيم أبعادا مشخصة، أي في اللحظة التي تصب فيها الحياة في أوعية زمنية تلغي الحد المتصل وتحدث فيه شروخا، لتتسلل الشخصيات إلى مسرح الأحداث ضمن وضعيات إنسانية محددة. إن البحث عنها يجب أن يتم في بؤرة أخرى، إنها موجودة في البنية الدلالية المنظمة على شكل محاور سابقة في الوجود على التجلي المحسوس للوقائع السردية.

ويمكن تحديد هذه البنية الدلالية البسيطة باعتبارها سلسلة من المحاور الدلالية المفصولة عن أي سياق، أي خالية من أي بعد زمني، من نوع خير - شر ، صدق - كذب، حرية - استعباد، فهذه المحاور موجودة هنا لا أقل ولا أكثر، فهي لا تدل على حالات تدركها العين المجردة، ولا تشير إلى فعل ممكن، إنها تحتضن وضعا يحيل على الحالات الأولى للتجريد القيمي. ومن خلال موقعها ذاك، فإنها لا تستطيع أن تدل على أي شيء، فهي إمكان مرتبط بأصل محايث يعد ضمانة على وجود النماذج التي تشتق منها النسخ المتحققة لاحقا. إنها حالة مفترضة تم التسليم بوجودها لتحديد الحالات الإنسانية المتحققة في أفعال مخصوصة. فقبل أن يكون هناك سلوك دال على الخير لم يكن هذا "الخير " سوى « كتلة فكرية عديمة الشكل «، على حد تعبير هالمسليف.

ومع ذلك، فإن هذه الأشكال المفهومية الأولى تحتوي، بشكل ضمنى وفي مستوى محايث، على إمكانات الفعل السردي. فالبنية الدلالية البسيطة ( المحاورالدلالية المشار إليها أعلاه ) تشكل الشروط الأولية للإمساك بالمعنى كيفما كانت المادة الحاملة لهذا المعنى. وهذا أمر في غاية البداهة، فلا شيء يدل من تلقاء نفسه، ولا شيء يملك جوهرا مضمونيا مفصولا عن سلسلة العلاقات التي تحدد جوهر الحياة وعصبها.

وعلى هذا الأساس، فإن الشيء لا يدل استنادا إلى فرضية ترى فيه وعاء حاملا لكم دلالي موجود خارج السيرورة التي يستدعيها تشكل المعنى، إن الأمر على النقيض من ذلك، فأي تدليل يستدعي  سيرورة هي شرط وجوده. فإذا كانت كلمة ما، " استعباد" مثلا، تدل على مضمون دلالي ما، فإنها قادرة على فعل ذلك من خلال احتضانها لسلسلة من العلاقات الضمنية، وهي العلاقات التي يحددها گريماص في السلسلة التالية :

- علاقة ضدية : استعباد -  حرية

- علاقة تناقضية : استعباد - لا استعباد

- علاقة اقتضائية " لا استعباد - حرية

وتشكل هذه العلاقات جوهر النموذج الأصلي الذي سيأخذ على عاتقه لاحقا إغناء هذه العلاقات وتنويع أبعادها من خلال إدراجها ضمن سياقات مخصوصة. فمن أجل انتقاء الحد الضدي يجب أولا إسقاط الحد التناقضي، فقبل أن تتصور الحرية، يجب أن تتصور حالة تعد نقيضا للاستعباد ومنافية له.

واستنادا إلى هذه الحدود الأولية البسيطة تستطيع كل ثقافة بلورة تمفصلات دلالية تعبر عن طريقتها الخاصة في تنظيم القيم. ويقدم گريماص في هذا المجال مثالا بالغ الأهمية. ففي مقالة كتبها بالاشتراك مع فرانسوا راستيي بعنوان " لعبة الإكراهات السميائية" (5) يدرس گريماص المممكنات الدلالية التي تشير إليها  العلاقات الجنسية من خلال إدراج هذه العلاقات ضمن سياقات متعددة بدءا من الزواج مرورا بالشذوذ وانتهاء بزنا المحارم، وفي كل حالة من هذه الحالات يبين گريماص كيف تحدد الثقافة مواقف متباينة تجاه نفس العلاقات. فقد يقبل المجتمع ( أو يغض الطرف ) بزنا الرجل، إلا أنه يدين زنا المرأة ويرى فيه خروجا وانزياحا عن " العلاقات الاجتماعية السليمة".

وبناء عليه، فإن هذه الحدود البسيطة تشكل المبادئ الأولية التي تمكننا من تحديد التمفصلات الأولية للمعنى داخل كون دلالي بسيط، ويتعلق الأمر في حالتنا بوحدة معجمية حاملة لمعانم اختلافية تقوم بتحديد الأبعاد الإيجابية للواقعة، وتسقط في الوقت ذاته أبعادها السلبية، أي كل ما يشكل نقيضا للواقعة الموصوفة أو ما تقتضيه من خلال علاقتي الضدية والتناقض. ف" استعباد" هو نقيض كل ما لا يحيل على الاستعباد، وهو الشرط الأساس الذي يقودنا إلى انتقاء الضد الذي هو "حرية". وما لا يشير إلى الحرية سيكون بالضرورة استعبادا، لتأتي بعد ذلك الحالات التي تنوع وتخصص وتميز بين حالات تشير إلى البين بين، وبين الاستعباد المطلق والاستعباد الذاتي والتنازل الطوعي عن الحرية وما تشاؤون من الحالات الممكن توليدها استنادا إلى هذه العلاقات الأولية الضرورية.

وعلى هذا الأساس، وعلى الرغم من الطابع التجريدي لهذه الخطاطة الأولية، فإنها قابلة لتوليد سلسلة من الحكايات وقادرة على خلق سلسلة من الحالات التي تتحقق داخلها القيم على شكل وضعيات إنسانية محسوسة. إن هذه القدرة هي التي يطلق عليها گريماص " حالات التسريد" narrativisation الخاصة بالنموذج التأسيسي. وهي قدرة مصدرُها الطابع الخطابي للنموذج التأسيسي، فهو ليس مادة مضمونية محددة من خلال جوهر كلي، إنه يتشكل من ترابط يجمع بين عنصرين قابلين للتناسل الداخلي وتوليد حالات التشخيص.

وبناء عليه، فإن التسريد هو تحريك للنموذج التأسيسي، وهو الشرط الأساس للخروج من المجرد والدخول إلى العالم المحسوس. وفي هذه الحالة فإننا نتحول من حالة التجريد الكلي الخاص بالقيم لنتصور حالة تركيبية تنظم القيم من خلال عمليات لا من خلال علاقات. وهذا ممكن من خلال تحويل العلاقات إلى عمليات عبر إدراج حدود النموذج ضمن تقابل يقود من حالة إلى أخرى. واستنادا إلى المثال السابق يمكن أن نتصور عملية تنفي الاستعباد لتثبت الحرية، وتلك عملية تستند إلى العلاقات الأولية من أجل خلق الأشكال التركيبية الأولى، وهي أشكال تستدعي من جديد ذاتا للفعل، والذات في كل هذا هي بيت القصيد، ولا يمكن تصور أي شيء خارج المدارات التي تخلقها، إنها شرط أساس لتصور فعل مستقبلي يجسد القيم في وضعيات تغني النموذج الأصلي. « فلكي ينتج النحو الأصولي، الذي هو من طبيعة مفهومية، محكيات قابلة للتجلي من خلال حدود مشخصة ( حيث يقوم ممثلون مؤنسنون بأفعال ويخضعون لتجارب ويصلون إلى أهداف) يجب أن يخضع في مستوى سميائي توسطي لتمثيل مشخص دون أن يكون تصويريا «. (6)   وللمزيد من التبسيط، يمكن القول إننا في هذه المرحلة التوسطية، وهي مرحلة أساس في النموذج التحليلي الذي يقترحه گريماص، لا نخرج كلية من دائرة التجريد، لنتصور العالم من خلال أفعال محسوسة، إننا نقوم فقط بتحويل الحالة إلى وظيفة تستدعي عاملا يقوم بإنجازها. فالاستعباد يسقط المستعبد باعتباره محفلا عاما يقوم بكل ما يمكن أن يجسد الاستعباد لاحقا في حالة مخصوصة. وهكذا فإن العمليات التي يمكن إنجازها استنادا إلى هذا التحول تأخذ الصيغة المعيارية المعروفة :

ملفوظ سردي = وظيفة ( عامل)

لنكون في نهاية الأمر أمام نموذج جديد من طبيعة تركيبية يتضمن تحققات الكون الدلالي من خلال استعادة استبدالية لدوائر الفعل، وهي دوائر تَمْثُل في علاقتها بالنموذج التأسيسي على شكل ملفوظات سردية عامة تصف حالات الفعل الممكنة، وتَمْثُل داخل النص السردي على شكل أفعال مدركة داخل الدفق الزمني. ويطلق على هذا النموذج في السميائيات السردية النموذج العاملي، فهو يوزع القيم على مواقع تركيبية تنطلق من ذات ترغب في الحصول على موضوع ما استنادا إلى دوافع، فردية أو جماعية، بهدف الاستجابة لحاجة ما، وتصطدم هذه الذات بما يعوق غايتها تلك، وكذا ما يساعدها على تحقيق غاياتها.

وتلكم هي الخانات الكونية التي تندرج ضمنها كل الأفعال الإنسانية، فالفعل الإنساني لا يمكن أن يُعقل إلا إذا كانت هناك غاية تبرره. لهذا فإن هذا النموذج سيتحقق من خلال برامج سردية متنوعة، فيها الأصلي العام، وفيها الفرعي المرتبط بتحقيق أهداف جزئية داخل البناء العام للنص السردي. هذا بالإضافة إلى إمكانية تعقيد الخطاطة من خلال إدخال برامج سردية تتصارع فيما بينها، وهو ما يعني الفصل بين البرامج التي تحققها الذات المثمنة سرديا وقيميا، وبين تلك التي يراد بها تعطيل حركة هذه الذات، ومنعها من الوصول إلى غاياتها، أي موضوع القيمة المراد الوصول إليه.

ويتحدد هذا النموذج داخل الاقتصاد العام للمسار التوليدي باعتباره الوجه التركيبي لسلسلة العلاقات التي يحتضنها النموذج التأسيسي، لذلك فهو الممر الفعلي الذي سيقودنا إلى تصور حالات التشخيص المتعددة، أي إلى إسقاط البعد التصويري أو ما يطلق عليه في السميائيات السردية : " الدلالة الخطابية"  التي تتمثل في تصوير حالات إنسانية تصف الفعل المشخص وتشير إلى تحولات تتم داخل فضاء وزمان محددين.

إنه يشكل، بعبارة أخرى، حالات التسييج النهائي للنص السردي حيث تتبدى الأشكال النهائية لنص يبني حدوده ضمن تلوين ثقافي خاص، في ارتباطه مع النموذج الأصل بطبيعة الحال. وتلك هي آخر حلقة من حلقات المسار التوليدي. ويُفترض في هذه الحلقة أن تكون معادلا مشخصا للبنية الدلالية البسيطة التي تحكم بناء النص كله. وفي هذا المستوى الأخير نعاين ميلاد نص سردي يمثل لحالات إنسانية من خلال أفعال تقوم بها شخصيات تحمل أسماء وأوصافا في زمان وفضاء معينين، وضمن حدود بنائية متوقعة من خلال ممكنات الفعل.

تلكم هي الأسس النظرية العامة التي قام عليها النموذج التحليلي الذي تقترحه السميائيات السردية من أجل قراءة النصوص السردية والكشف عن دلالاتها. وهو نموذج جرب أولى أدواته التحليلية على نماذج سردية من طبيعة فلكلورية كالحكايات الشعبية والخرافات، وهذه حقيقة يجب أن نوليها أهمية خاصة، لأنها تعد مفتاح فهم الآليات الداخلية للنموذج أولا، وهي أيضا فيما يبدو ما يشكل نقطة ضعفه ثانيا.

II  - ممكنات النص ومحدودية النموذج

فهل يمكن لنموذج تحليلي بنى كل فرضياته المعرفية استنادا إلى نصوص سردية من طبيعة حكائية تقليدية تبني عوالمها الدلالية استنادا إلى بنيات من طبيعة وظيفية، أن يقودنا إلى فهم أفضل لنصوص سردية تبني عوالمها الدلالية استنادا إلى القرائن وتصوير الحالات الإنسانية المركبة ؟ ذاك هو السؤل الذي سنحاول الإجابة عنه من خلال صياغة مجموعة من الملاحظات الخاصة بنمط اشتغال هذا النموذج.

1 - إن النص، استنادا إلى الفرضية الأولى التي تؤسس النموذج النظري في كليته ( الحديث عن بنية دلالية أصلية )، مبرمج بشكل سابق على حالات التجسيد اللساني ( أو أية مادة أخرى ) ولن تقوم السيرورة التسريدية من خلال حالاتها المتتابعة سوى بتفجيرالطاقة المنطقية التي يحتضنها النموذج التأسيسي في حالته البدئية المجردة ونشرها في وقائع محسوسة. وسيقود التعرف على آليات هذه البرمجة إلى الكشف عن البنية الدلالية العامة للنص السردي. إن الأمر يتعلق بالبحث عن التطابق المفترض بين الوجه المجرد للنموذج وبين الحالات التصويرية التي لا تشكل في نهاية الأمر سوى الوجه المشخص لهذا النموذج.

وعلى هذا الأساس، فإن الرحلة التحليلية مرئية من خلال مفاهيمها ومصطلحاتها وإجراءاتها، كما أن آفاقها محددة من خلال غايتها النهائية، وهي الوصول إلى " وضع اليد" على كل دلالي مودع في النص. وهذا أمر مفترض من خلال طبيعة العلاقة الرابطة بين العلاقات والعمليات المنبثقة عنها، فـ « العمليات التركيبية الواقعة في مستوى التحديد الصنافي الأول هي عمليات معدودة وقابلة للتوقع» (7) من خلال العلاقات ذاتها.

وهذا التوقع هو الذي يكشف لنا عن نمط بناء النص السردي نفسه. فهذا النص يُبنى، كما يبدو ذلك من خلال هذا التصور، على شكل رحلة لاهوتية محكومة بقصدية مطلقة تقود بين طرفين معروفين : أصل مولد لا تدركه الأبصار أولا، ثم تحققه من خلال نسخة مشخصة ثانيا، وهذه النسخة هي سبيلنا الأوحد للتعرف على الأصل الأول والعودة إليه من جديد.

وهذا ما يشكك في جدوى القيمة الاستكشافية لأي تحليل. فإذا كانت هذه العمليات مبرمجة بشكل سابق داخل بنية دلالية بسيطة تحتوي على سلسلة من العلاقات هي ما يجب تطويره لاحقا لإغناء النموذج من خلال تحققه في واقعة نصية مخصوصة ( النص السردي في حالتنا)، فإن النص يكشف بشكل مبكر عن كل أسراره، ولن يقوم القارئ سوى بالكشف عن معنى مودع بشكل سابق في النص ويتخذ شكل تناظر دلالي عام على المحلل أن يصل إليه، وفي هذه الحالة « لن تكون هناك أحداث ولن تكون هناك مفاجآت ولن يكون هناك شيء يروى، وسيكتفي التركيب السردي السطحي بوصف تناقضات تامة وعلاقات ضدية تامة واقتضاءات تامة «، (8) وهي علاقات يحتضنها النص الثقافي قبل أن تتحقق في نص مخصوص. والحال أن خصوصية النص الدلالية والجمالية تتحدد من خلال التصويري، لا من خلال الحدود المجردة، فالمعنى لا يوجد في النماذج العامة، بل تحتضنه الوقائع المخصوصة.

ونحن أيضا نؤمن بحكاية التناظر هاته، ولها ما يبررها في التصور النظري وفي المردودية التحليلية، إلا أن مقولة التناظر في التصور الذي نتبنى لها طبيعة أخرى، فهي تتمتع بقيمة استكشافية، وليست بأي حال من الأحوال نقطة نهائية عندها يتوقف التحليل. فحسب فرضية إيكو القائلة بوجود سؤال " ضمني أو صريح" يتحكم في آليات القراءة ويوجه مجمل التأويلات، فإن التناظر هو فرضية للقراءة تمكننا من تلمس سبل السيرورات المنتجة للمعاني، وليس غاية دلالية مقصودة لذاتها. وشتان بين التصورين. فاللذة التحليلية تمْثُل في الحالة الأولى على شكل لحظة استرخاء تعقب رحلة موجهة نحو مدلول نهائي، أما في الحالة الثانية فإنها مرتبطة بالسيرورة ذاتها، ولا غاية للتحليل سوى هذه السيرورة.

2- وهذا ما سيقودنا إلى الوجه الآخر للنص، ويتعلق الأمر بالوصف التحليلي ذاته. فإذا كنا في جميع حالات التأويل ( والتأويل هو جوهر القراءة وغايتها لأنه الضمانة الوحيدة على تجاوز حدود العلاقات المرئية) نقوم ببناء علاقات جديدة ليست مرئية من خلال حدود التجلي، فإن مقترحات السميائيات السردية تحد من هذه الاختيارات وتفرض على القراءة مسارا لا يجب أن تحيد عنه، لأنها تفترض أن النص مكتف بذاته وينتج معانيه استنادا إلى طاقته الذاتية « فلا خلاص لنا خارج النص « كما يقول گريماص، إن النص يحتوي على ما " يكفي من المعنى"، ولا حاجة لأن يأتي القارئ بالمزيد من المعاني. والحال أن الأمر ليس كذلك لسببين على الأقل :

- أولا لا أحد يؤمن راهنا بوجود نص يبني دلالاته في استقلال كلي عن سيرورات القراءة، فحتى النصوص الدينية التي يُقال إنها تشتمل على معنى أصلي أودعتها فيه ذات إلهية لا نعرف سرها يمكن أن تسلم لقارئها معاني ليست مرئية من خلال العلاقات الموصوفة بشكل مباشر، استنادا فقط إلى طبيعة اللغة ذاتها، فلا وجود لوحدة من وحدات اللسان تشتمل على طاقة تعيينية فقط، فكل كلمة تشتمل على طاقة إيحائية لا تكشف سرها سوى السياقات التي تتحقق داخلها. وعلى هذا الأساس، فإن الفجوة الفاصلة بين قارئ يأتي إلى النص محملا بأحكام وتصنيفات ثقافية متنوعة، وبين نص يحتوي على الضمني والاستعاري والموحى به هو ما يعكس الآليات الأساسية لسيرورات التأويل التي تثيرها القراءات المتعددة.

- ثانيا واستنادا إلى ما سبق سيكون من الضلال أن ننظر إلى النصوص باعتبارها كليات دلالية تخضع لقانون أسمى هو قانون البنية الدلالية الأولية المودعة سرا في النص. فوحدة النصوص وانسجامها لا يتولدان بفعل مضمون دلالي أصلي مخبئ في الأجزاء، وإنما يتحقق ذلك استنادا إلى السيرورات التأويلية التي تشير إلى غنى التوقعات والممكنات التي تدفع القراء إلى البحث عن أشكال معينة من التنظيم في النص والاهتداء إليها باعتبارها إمكان ضمن إمكانات أخرى. فلا يمكن تصور معنى مكتف بذاته وقادر على التدليل خارج الذات التي تستقبله، فالتعرف على المعنى وتحديد حجمه وامتداداته جزء من سيرورة تشكله، والتعرف على الواقعة الدالة هو إمساك بسيرورة تعد انتقاء سياقيا مخصوصا، أو هو فرضية للقراءة، وهو ما يلغي فكرة التأويل الكلي والشامل للنصوص.

ولهذا فإن القول بإمكانية الإحاطة الكلية بالدلالة النهائية للنص ضمن قراءة واحدة شاملة أمر في غاية الغرابة. فأبسط نص سردي لا يمكن أن يكون حاملا لدلالة واحدة ولا يمكن أن يكون تحققا كليا وشاملا لأي نموذج. إن قناعة من هذا القبيل تعني إلغاء دور السياقات الداخلية التي تخلقها الوحدات في غفلة من المؤلف نفسه.

وخلاصة التحليل لا وجود سوى للانتقاءات السياقية، والانتقاءات تبنى استنادا إلى فرضيات تأويلية تسند للقارئ مهمة إعادة بناء قصدية أو قصديات جديدة للنص من خلال إعادة بناء سياقاته الداخلية. والكشف عن هذه السياقات هي التي تحدد القراءات المتنوعة للنص، والتنوع هو نتاج فرضيات للقراءة تنتقي وتقصي وتعيد تنظيم العناصر السردية وفق سؤال ضمني تطرحه على النص (9) . فتحقق أثر معنوي ما ضمن سياق محدد لا يمكن أن يلغي السياقات الضمنية الأخرى، فردود أفعال القارئ لا يمكن برمجتها وفق ما يتحققق في النص فقط، فالنص آلة كسولة (10) يوكل أمر تحقيق الضمني والمتواري في " الجزئيات" و"البقايا" إلى القارئ الذي لا يقنع أبدا بما تقوله الكلمات أو تشير إليه الوضعيات الموصوفة.

 

3- وتعود الملاحظة الثالثة إلى القراءة  أيضا. فالقراءة مقيدة بالاختيارات التي يفرضها النموذج التحليلي، فهو يقترح منذ البداية سبلا محددة هي وحدها التي تقود إلى الإمساك بالأكوان الدلالية التي يثيرها النص. وعلى الرغم من أهمية وجود تصور نظري خاص بالمعنى وأشكال وجوده، فإن إسقاط نموذج تحليلي جاهز على النص سيؤدي إلى إفقار العوالم الدلالية المتنوعة التي يشتمل عليها هذا النص. فالتحليل يبحث في الوقائع النصية عن وضعيات ومكونات وعلاقات يصفها النموذج النظري ويعتبرها أساس الدخول إلى النص ومنافذه السامية.

وفي هذه الحالة ستتشابه القراءات وتتقارب الخلاصات، بل إن التقيد بتوجيهات النموذج التحليلي سيؤدي حتما إلى تحديد أوصاف متشابهة لنصوص بالغة التباين. وهذا ما تكشف عنه الدراسات التطبيقية التي أنجزت استنادا إلى مقترحات السميائيات السردية. فعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الجزئية، فإن جل هذه الدراسات تشير إلى خطاطات تحليلية واحدة، فالذات دائما تبحث، والموضوع دائما ممتنع، والعائق يتربص بالذات، والمساعد يهفو إلى مدها يد العون، وهناك من ينتظر الخلاص الذي ستأتي به ذات آلت على نفسها القيام برحلة البحث، وهي مبرر السرد وغايته.

وعلى الرغم من أهمية رصد الأشكال الكونية التي تحكم السردية، وهي أشكال تشترك فيها كل شعوب المعمور، فإن ذلك لا يقدم الكثير للتحليل المتعلق بنص مخصوص، فالمعنى لا يبحث عنه في الكوني والعام، والمدارس الفنية في مجال السرد لم تخلق استنادا إلى الأشكال الكونية، بل نشأت من خلال الانزياح عن هذه الأشكال وإكراهاتها أو خرقها أحيانا، لذلك من الحيف أن نختصر النص في خطاطة ترصد تحقق النموذج في نسخة ما. لذلك فإن الارتهان بشكل كلي، أو جزئي، إلى نموذج تحليلي " صحيح" يقترح على المحلل كل الخطوات الواجب اتباعها، لن يقود إلى خلق تطابق ( أو تشابه) في القراءات فحسب، بل سيقود أيضا إلى ما هو أخطر من ذلك، فالنص في هذه الحالة لن يقول سوى ما يسمح به النموذج النظري وما تهدي إليه المفاهيم المعتمدة في التحليل، وسيكون الوصف التصنيفي للوقائع أقوى وأوسع من تأويلها، ذلك أن الوقائع محددة الحجم والامتداد استنادا إلى أصل ثابت إليه يتوجه التحليل.

وربما أعادنا هذا الأمر إلى نفس الوضعية التي يصفها كلود ليفي شتراوس وهو يتحدث عن نموذج بروب، فقبل ظهور نموذج بروب لم نكن نعرف موطن التشابه بين الحكايات، أما بعده فلم نعد قادرين على التمييز بينها(11). وبالمثل لم نكن نعرف قبل ظهور نموذج گريماص كيف نلج العوالم السردية ونكشف عن بعض دلالاتها، أما بعده فلم نعد قادرين على إيجاد صيغ تحليلية تتميز من خلالها القراءات وتتفاوت النتائج. فالنظرية " توحدنا" كما يتوحد المناضلون تحت سقف حزب واحد تحت غطاء فكري واحد أوحد.

والحال أن الأمر أعقد من ذلك، فكل الترسانات المفهومية التي تقترحها النظريات لا يمكن أن تحل محل المعرفة التي يجب أن يتوفر عليها المحلل لكي يتعرف في النص على ما لا يمكن لقارئ عادي أن يصل إليه حتى ولو امتلك كل النماذج التحليلية المنتشرة في العالم. فالنظرية هي تساؤلات حول طبيعة أو طبائع المعنى، ويكمن دورها في تعليمنا كيف تكون قراءاتنا مختلفة عن الإنسان العادي، ولكنها لا يمكن أن تحل محل ثقافة القارئ. تماما كما أن التعرف على مكونات النص لا يمكن أن يحل محل الوصف التأويلي لهذه المكونات وتحديد دورها في تشكيل السيرورات التي تشيد من خلالها السيرورات الدلالية.

 

4-إن نموذج گريماص يستعيد بشكل ضمني فرضيات البنيوية الأولى التي كانت تحلم بالوصول إلى الإمساك بالتسنين الأصلي الذي يبنى النص انطلاقا منه، أي الوصول إلى ضبط حدود السنن الذي تنتهي عنده كل التسنينات الممكنة. فمن تبسيط إلى تبسيط إلى تبسيط يستطيع البنيوي ( 12) العودة من جديد إلى حالة المتصل الذي يلغي كل أشكال التدليل، وهو ما يعني الوصول إلى أبسط شكل ممكن يلغي كل حالات التركيب، وهو الأمر الذي تشير إليه كل الدراسات التطبيقية حيث تنتهي بنا الرحلة التحليلية عند الوقوف على ثنائية دلالية من نوع : حياة (م) موت، كما هو تشير إلى ذلك  الدراسة التي أنجزها گريماص حول أعمال بيرنانوس (13)، وهي ثنائيات من المفروض أنها تختصر كل التعقيدات التي يشير إليها التشخيص.

وهذا التصور لا يمكن أن تخفف من حدته تصريحات منظرو هذا التيار المعرفي حين يؤكدون أنهم يطمحون فقط إلى وصف جزئية ثقافية صغيرة من هذا الكم الثقافي الذي تقدمه الموسوعة، ولا يرغبون قط في تحديد كل العوالم الدلالية التي يمكن أن يثيرها نص ما. فهذه التصريحات لم يكن لها صدى كبير في أعمالهم النظرية والتطبيقية، ففكرة الإمساك ببنية أصلية تنتهي عندها كل التسنينات، وهي أساس منطلقاتهم التحليلية، تقود إلى الإقرار بأن هذه الفكرة تحيل على الاعتقاد أن النص يشتمل على" كم دلالي منته"، وهذا الكم هو الضمانة على انسجام بنية النص الدلالية الأصلية.

وهكذا، فإن النص في كليته يمكن أن يخضع لعمليات تقليصية متتالية تنتهي به إلى ثنائية واحدة تتكثف داخلها كل ممكنات التدليل التي يحتضنها الكون السردي. فكما كان البناء تنفيذا كليا لمسار توليدي، فإن التحليل سيكون رحلة عكسية تعود بنا إلى الإمساك بالأصل المولد. وفي هذه الحالة، فإن التحليل لا يقوم سوى باقتفاء آثار الرحلة النصية، بدءا من الإمساك بالحالات التصويرية، مرورا بتكثيف مجمل الأفعال في دوائر تحدثنا عن فعل تركيبي يدرج ضمن عمليات هي أصلا الوجه الآخر لعلاقات أولية غير موجهة، لنصل في نهاية التحليل سالمين غانمين إلى المستوى البدئي، أي الإمساك بالمعنى الكلي والنهائي للنص.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن التحليل يكتفي بالبحث عن تطابق مزعوم بين البنيات البادية من خلال المستوى التصويري ( النص كما يمثل أمام القارئ)، وبين المحافل الأولية حيث الدلالة صنافة وعلاقات غير موجهة، أي قيم مجردة وخارج أي سياق. وإذا كان الأمر كذلك، فإن النصوص كلها ستكون متشابهة، ويكفي أن نتعرف بشكل دقيق على الوجه الظاهر للنص لكي نتبين الطريق نحو الضمني.

والحال أن الدلالات الحقيقية للفعل ( كيفما كان هذا الفعل) لا يمكن البحث عنها في النموذج الأصلي، أي من خلال المطابقة المطلقة بين النموذج والنسخة. إن التشخيص ليس وجها محايدا، أو وعاء لاستقبال الدلالات المجردة. إنه على النقيض من ذلك، الوجه الوحيد الذي يجب الاطمئنان إليه من أجل تصور السيرورات الدلالية الخاصة بالقيمة ومردوديتها داخل وضعية ما. أما حالات التجريد فهي حالات افتراضية عامة يستأنس بها التحليل ولا يمكن أن تشكل مبدأَ لتحديد طبيعة المعنى الذي تنتجه السيرورات. فالتطابق بين النموذج والنسخة سيؤدي إلى سقوط النموذج ذاته، فالنموذج موجود في حدود وجود تفاوت بينه وبين وجوهه المتحققة. فالأساسي في المعنى ليس الوجه المجرد للقيمة بل طريقة تشكلها. وهذا أمر في غاية الأهمية، فالشعوب لا تنفرد بمضامين قيمية خاصة بها، بل تتميز من خلال طريقة تنظيم هذه القيم وتصريفها في أفعال مخصوصة. لهذا فقيمة هذا التحقق لا تأتي من تطابق الوقائع مع أصل مجرد، بل مصدرها الصيغة التعبيرية التي تتحقق من خلالها هذه القيمة.

وعلى هذا الأساس يجب إعادة صياغة العلاقة الرابطة بين المجرد والمحسوس، فليس هناك من سبيل لتأسيس عالم فني سيصبح، في نظر المؤلف على الأقل، معادلا للعالم الموضوعي سوى ما تقدمه العوالم الممكنة التي تؤطر المخيال والأشياء والتصنيفات السلوكية ومناطق الانفعال الذاتي والجماعي. وتلك هي الروابط الدقيقة التي تجمع بين ما ينتمي حقا إلى " العالم الواقعي" المستعصي بطبيعته على الضبط الكلي والنهائي، وبين ما يأتي من العوالم الممكنة باعتبارها المصفاة التي نطل من خلالها على واقع نعتقد أنه حقيقي، في حين لا تشكل الحقيقة داخل هذا الواقع سوى جزئية بسيطة.

ومن نافلة القول، إن الطريقة التي يُبنى بها العالم الروائي هي التي تدلنا على كيفية نمو القصة واكتمالها ثم موتها. ولهذا الأمر أهمية خاصة، فالتقابل بين ما يطلق عليه الكون القيمي العام ( أو الموسوعة بلغة إيكو) الذي يقتطع منه النص الروائي مادته، وبين الإيديولوجيا ( بمفهومها السميائي، أي باعتبارها الصياغة المخصوصة للقيم) هو إحالة ضمنية على ما يفصل بين المحتمل والمتحقق، بين الوجود القيمي المجرد وبين كل النسخ المتحققة من خلال التمثيل التشخيصي لحالات إنسانية بعينها، ووحدها حالات التشخيص تملك القدرة على قول شيء ما عن الحالة الحضارية لشعب ما، أما النموذج المجرد فهو عام وكوني، ولا فائدة من النظر إليه باعتباره أصل النص ومنبته.

إن هذه الملاحظات لا تقرر سوى واقع حال فعلي وموجود، فلم تعد هذه النظرية تغري كثيرا  الباحثين في ميدان التحليل السردي، فحكاية الذات والموضوع والغايات الكبرى والصغرى التي نعاينها في الأساطير والحكايات الشعبية لا يمكن أن تسعفنا في تحليل نص أنتجته آلة حضارية بالغة التعقيد، فالأساس في النص الحديث ليس هو الوظائف ودوائر الفعل الكبرى، بل هي مجمل الجزئيات والتفاصيل التي تعتبر بؤرة للتصنيفات الاجتماعية التي تبنى انطلاقا منها الأحكام الإيديولوجية.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنفي أهمية مقترحات السميائيات في مجال المعنى وسيرورات تشكله. فلقد قدمت في هذا المجال مقترحات بالغة الغنى والعمق ماتزال صالحة للاقتراب من الوقائع وفهم آليات التدليل داخلها. وليس غريبا أن تسقط الأجزاء التفصيلية في هذه النظرية وتظل مع ذلك الروح التحليلية حية تغذي الكثير من الدراسات في ميدان الصورة، أو في ميادين الدراسات المتعلقة بالأهواء، ويكفي أن نستحضر البرنامج المعرفي الذي يقوم بإنجازه حاليا راستيي وفونتنيي وزلبربارغ في ميدان سميائيات الأهواء والدلالة التأويلية، أو ما يقوم به جان ماري فلوش في ميدان الصورة والتشكيل لكي تتضح لنا راهنية مقترحات گريماص ومدرسة باريس  السميائية عامة.

                                    

هوامــش

1-  Paul  Ricoeur : La grammaire narrative de Greimas, ed Actes sémiotiques, 1982 , p 7

-*Jacques Fontanille / Claude Zilberberg : Tension et signification ,  éd Mardaga , Bruxelles 1998

2-  A. J . Greimas : Du sens , éd Seuil , 197 , p 160

3- نفسه ص ص 158 - 159.

4- نفسه ص 159

5- les jeux des contraintes sémiotiques, in Du sens , pp 135 -155

6- نفسه ص 166

7- نفسه ص 166

8- Paul  Ricoeur , op cit p 10

9- انظر مقترحات إيكو في هذا المجال، خاصة تصوره لما يسميه بالطوبيك في  Lector in fabula p 113

10- إيكو  نفسه

11- انظر مقالة شتراوس الشهيرة " البنية  والشكل " حول كتاب بروب " مورفولوجيا الحكاية"  La structure et la forme in Anthropologie structurale deux , éd. plon  p 139 et suiv

12-  Umberto Eco : Le signe , éd Labor , 1984 , p 96

13- انظر الفصل الأخير من  A. J . Greimas : Sémantique structurale , éd Larousse , 1966

 

موقع سعيد بنگراد

 

أبواب الموقـع

الرئيسيـة

تعريـف

مقــالات

نقد النقد

 

نقد الروايـة

 

حـوارات

 

إصـدارات

مؤلفات  
روايات  
ترجمـات  
مؤتمرات ونـدوات
وطنيـة  
دوليـة  
متابعـات صحفيـة
حول إصداراتنا  
حول أنشطتنا  
مختلفات  
قراءات مفتوحة (ملف مفتوح لكتابات مقبلـة)
الرواية  
النقـد  
الثقافـة  
نشاط أكاديمي
الأدب العام والنقد المقارن  
المقارنون العرب اليوم  
مشروع معجم مصطلحات الأدب  
معـارك أدبيـة
مجلة الزمان المغربـي
رسائل الأعـزاء
محليـة  
دوليـة  

صـور

روابـط

للاتصـال بنـا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008