إصدارات د. سعيد علوش

 

 

 

 

 

 

 

 

الميلودي شغمـوم

الرواية العربية

(الذات، الكونيةوالمغايرة)

 

ينطلق هذا المبحث من سؤال ينبني على "فكرة"،  أو انطباع، أي على  مجرد فرضية قد توجد بالأهمية التي يعطيها لها السؤال وقد لا توجد، قد توجد بدرجات مختلفة لدى الروائيين أو لدى النقاد، إن لم يكن هناك من لا يعطيها أية قيمة على الإطلاق ، لكنا نتمنى أن يكون بالإمكان توسيعه إلى مجالات أخرى مثل العلم والتكنولوجية و الاقتصاد أو السياسة ، و في الثقافة بصفة خاصة ،  مع مراعاة الفروق النوعية !

       أما السؤال فمن الممكن صياغته، في إحدى صوره، على الشكل الأولي التالي: عندما تحلم الرواية العربية بالكونية (العالمية!)، أو تحقق شيئا من ذلك بالفعل، فهل يتم لها هذا الأمر عن طريق ما هو "كوني"، أم عن طريق "المحلي"، أم عن طريقهما معا، وبأية أشكال، أو تقنيات يمكنها ذلك ؟ في أية شروط ؟

       وبعبارة أخرى، تعيش الرواية العربية نوعين من "المحلية" : محلية قومية، في مواجهة الرواية العالمية، ومحلية قطرية، في مواجهة القومية، وقد تعيش "الجهوية"، على مستوى جهات القطر الواحد، فكيف يمكنها أن تواجه الكونية بكل هذه المحليات ؟ وبأية كونية يتعلق الأمر ؟ هل سبق ، بالمناسبة أن فكرنا ، من هذه الزاوية ، في حالات مثل الحالة الألمانية أو الإسبانية و لو  من باب الاستئناس ؟

و ارتباطا بهذا، ماذا يمكن أن يبرر أن نسمي ما يكتبه الشامي والمصري والخليجي والمغاربي  " رواية عربية "،  وكيف يمكن لكل هذا الركام أن يشكل كلا متمايزا، ويدعي هوية وأن يتطلع، بصفته تلك، إلى أن تكون له مكانة عالمية؟

هل يعرف حقا  هذا الركام ما يريد وهل يملك الوسائل، بالفعل، للوصول إلى هذه الغاية، وإلى أي حد نستطيع الزعم بأن وضع الرواية العربية، والأدب العربي عموما، إنما يعكس وضع الأقطار العربية في علاقاتها منفردة أو مجتمعة، خاصة، في العالم، كما يعكس وضع الأقطار العربية في علاقاتها مع بعضها البعض  و مع ذات كل واحدة منها ؟

هل نستطيع، والحال هذه، أن نفسر لماذا لم تحظ الكثير من الروايات العربية، التي ترجمت إلى لغات عالمية، بأية مكانة "عالمية"، ولماذا لم يكن لبعضها أي صدى في الثقافات التي ترجم إليها، إذ بقيت على هامش ذاكرات تلك البلدان و متخيلاتها، مقارنة ليس فقط مع أعمال معاصرة من خارج العربية، و لكن مع أعمال كلاسيكية تنتمي إلى الثقافة العربية مثل ألف ليلة و ليلة ؟

       هل أخطأت هذه الروايات، و معها الكثير من المظاهر الثقافية الأخرى،  الكونية، وهي تدخل إلى العالمية، أي المعاصرة؟ وكيف نفسر، إذن، المكانة التي يحتلها بعضها في الثقافة العربية الحديثة  ؟ من يستطيع أن يزعم ، و الحال هذه، و بما يكفي من الحجة واليقين، أن هذه الأعمال الأدبية إنما اكتسبت بيننا هذه المكانة لقيمتها الأدبية وحدها؟ و بالتالي، هل هذه القيمة حقيقية بالفعل ، أي ما هي درجة حضورها حقا في ذاكرتنا و وجداننا و ذوقنا ؟

و لنتشكك أكثر في الأمر، لا شكا مغرضا، و لكن من أجل إعادة ترتيب بعض قضايانا : ما هي العوامل الإبداعية، وغير الإبداعية، الثقافية والمؤسستية مثلا، التي تستطيع أن تساعدنا على فهم هذه الظاهرة : كاتب يحتل بيننا مكانة متميزة، لكنه حين يترجم لا تصبح له أية قيمة في الثقافة التي ترجم إليها، على عكس العديد من كتاب العالم ؟ و ماذا لو وسعنا هذا السؤال ليشمل رجل السياسة و الاقتصاد ، مثلا!؟

       لهذه الأسئلة أكثر من وجه وأكثر من مستوى قد نخطئ الجواب عنها ليس فقط لأننا لا نصوغها صياغة دقيقة وإنما، كذلك، لأننا لا نأخذ في الاعتبار كل عناصر الجواب إما بإغفال بعضها أو بتهميشها لأسباب واعية أو غير واعية، لقصور أو لحسن تخلص أو طيبة !

       هذا هو السؤال العام الذي انطلقنا منه، كانطباع أو فرضية، و الذي يقبل أن يتفرع إلى الكثير من الأسئلة التي أشرنا إلى بعضها في هذه العجالة، أسئلة نحاول أن نجعل منها مدخلا إشكاليا  لقضية  " الكونية والمغايرة في الثقافة العربية من خلال الرواية " .

       أما "الفكرة"، أو الملاحظة،  التي ينبني عليها فتخص نوعا من "البداهة" التي عبر عنها السؤال في وجوهه ومستوياته المذكورة: يندر أن نجد روائيا أوجماعة عربية، بما فيها الجماعات التي لا تقدم للرواية، ولا للأدب،  أي دعم، لا يحلم،  ولا يفخر،  بترجمة الرواية إلى لغة عالمية والتطلع إلى أن تحتل هذه الرواية العربية، و كل الأدب العربي،  مكانة في الثقافة العالمية . أما أن ينال كاتب عربي جائزة عالمية فهذا أقصى درجات الاعتزاز، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي !

 أحيانا، تصبح هذه أفضل طريقة، ضربة الحظ، التي تجعل الكاتب مقروءا   أو أكثر مقروئية ، في بلده نفسه، تصالحه مع ثقافته ومع ذاته! أحيانا أخرى يستعمل الكاتب كل "قوته" ليترجم، بما في ذلك ألا يكتب إلا ما هو "قابل" لأن يترجم، لهذه  الأغراض ذاتها !

       ولا شك أن في هذا النزوع "العالمي" شيئا من "الإنسانية"، أمرا "طبيعيا" سواء لدى الروائي أو لدى شعبه إذ يمكن ملاحظته، بهذا القدر أو ذاك وبهذا الشكل أو ذاك، عند كل الكتاب في الدنيا وعند كل الشعوب، فلا شيء "أكثر طبيعية" من أن "يجازى" المبدع بالترجمة والجوائز وأن يفخر أهل ثقافته بذلك: إن مجده مجد ثقافته و مجد هذه الثقافة مجده، و إن كان هذا يظهر في الرياضة بشكل أوضح وأسرع أكثر مما يظهر في الأدب أو الفن!

       ومع ذلك، وخاصة بالنسبة للوضع العربي الراهن، فإنه ينبغي أن نميز في "مبررات" هذه الحالة بين "الدوافع" و"الوسائل"، فالأولى لا تؤدي دائما، وبالضرورة، إلى الثانية، ولا هذه تنطلق، كاملة، على الأقل، وحتما من تلك، وكم من الدوافع تخطئ الوسائل ، كما هو معلوم، أو العكس: هناك ظواهر من هذا النوع، دائما، لا "تقبل" التفسير السهل أو السائد!

       قد تكون الدوافع، بعضها، نابعة من "منطق الكتابة" ذاته، فالأدب، والكاتب بدوره، بطبعه، إذا جاز التعبير، كوني، بشكل من الأشكال، رغم أنه ينشأ وينمو محليا وفي بيئة بعينها: الكتابة نزوع إنساني إلى التواصل الوجداني الشامل، نزوع كوني إذن !

 وهذه الدوافع الذاتية، المرتبطة بالكاتب أو بإنتاجه، قد يكون جانب منها عتيقا جدا، موغلا في التاريخية وفي الموروث الحضاري لأمة، كالأمة العربية، أو يكون جزءا من الحلم العام لهذه الأمة في أن تحتل ،  كلها أو مجموعة منها أو فردا واحدا منها، على الأقل، مكانة متميزة في الكون، في أن تسترجع شيئا من مكانة، وهمية أو فعلية، ضيعت في فترة ما من تاريخها الرمزي أو الواقعي، فكل الأمم في حاجة إلى استيهامين، كحد أدنى، لترى مغايرتها كجزء من الكونية، ذاتها شبيهة بالآخرين ومساوية لهم: استيهام الأصل القوي، أو النقي الصافي، واستيهام الغد المشرق الذي يستعيد "النعيم" المضيع، بسبب داخلي أو خارجي، بعد "عصر القوة والصفاء "، وإذا لم يكن قد حدث شيء من هذا في ماضيها،  "بالفعل" ،  فإن "الأساطير" تتكفل بخلقه وترتيبه، وبذلك تشعر كل أمة، وكل جماعة ثقافية، بأنها ليست فقط مشابهة أو متساوية مع الأمم القوية، ولكن، من ناحية ما، أنها الأقوى: قوة رمزية أمتن من أية قوة مادية!

لهذا يكون تخلف مثل هذه الأمة، أو تقدمها، مضاعفا: كيف تلتقي بالماضي وكيف تلتقي بالحاضر‍‍! بشيء من هذا يشعر كل كاتب: كل كاتب يحمل إلها أسطوريا من نوع ما !  وربما لهذا تميل كل الحضارات إلى أن تكون غازية، فاتحة، ولو ثقافيا، و استيهاميا، وتكرم "أبطالها" الفاتحين،  العباقرة الغازين !

       غير أن هذه الدوافع، بالنسبة للكتابة بصفة عامة،  وللرواية بصفة خاصة، لا تختلف كثيرا، مجتمعة أو متفرقة، عما يجري في مجالات أخرى، إن لم يكن عملها أقل في الكتابة منها في هذه المجالات. وهكذا فإننا قد نجدها فاعلة بشكل قد يكون أوسع وأقوى في الرياضة، خاصة في كرة القدم وفي سباقات الجري. إن هؤلاء "الأبطال الدوليين" يحققون من المجد و"الانتقام" للجماهير، ومن الفخر والدعاية لحكامهم، أكثر مما يستطيع كتابهم مجتمعين أن يحققوه على المستوى الدولي والجهوي، وقد يستطيع مطرب، أو مطربة أو راقصة، أن يحقق مثل هذا أو ما هو أكثر دواما منه على المستوى القومي.

ومع ما في هذه الحالات من تفاوت، من حيث النوع والمدة، ومن حيث الشكل والتوجه، ومن حيث الإمكانات التي تتطلبها فإنها، جميعها، تحقق نوعا من "الكونية" وتنطلق من الاستيهامين السابقي الذكر: الحضور في العالم بالنيابة، عمليا، والاندماج فيه جماعيا بشكل رمزي! وبهذا الشكل "تنتصر" أمة عالميا و"تنتقم" !

       لهذه الأسباب قلنا إنه، من هذا المنظور، يصبح من الطبيعي، والعادي جدا أن يتطلع فرد من جماعة، وأن تتطلع الجماعة كلها، إلى العالمية وإلى الكونية، قاصدين بالعالمية الحضور في العالم هنا والآن، أي المعاصرة، وبالكونية الانتماء إلى العالم، أي الحضور الكيفي فيه، ليس فقط هنا والآن، لكن باستمرار،  ومع الشعور الإيجابي بأننا جزء منه ولسنا لا منفيين ولا متطفلين ؛ في كل اقتحام للعالم نوع من المعاصرة، سواء تعلق الأمر بالفن أو العلم أو الرياضة أو السياسة، لكن ليس فيه بالضرورة كونية، إذ تتحقق الكونية بالمواطنة في العالم، بالمعاصرة، بينما تتحقق العالمية بكل مشاركة فيه .

 وهكذا فإن المشاركة في كأس العالم لكرة القدم، مثلا، معاصرة، لكنها ليست كونية، إذا كان المشارك يحل في هذه الكأس مثل الضيف الذي يستحق الضيافة، من غير أدنى حلم بأنه يستطيع أن يفوز بها. كذلك الفوز في سباق من سباقات العدو الدولية، إنه يرفع الفرد البطل إلى مصاف الأفراد الأبطال، غير أنه لا يرفع بذلك أمة إلى صف أمة، إلا هنا والآن، أي لفترة قصيرة  جدا و في مجال جزئي أو ظرفي، لا تستطيع أن تصله كل مكونات الأمة النشطة، بدليل أن الكثير من الدول المتقدمة لم تكن تبرع لا في العدو ولا في كرة القدم!

فالكونية، بهذا المعنى، معاصرة مستمرة، أما العالمية فكونية مؤقتة، أي بدون شروط المعاصرة، بلا قوة. نستطيع أن نقول عن  هوميروس أوسرفانتيس إنه كوني، إلا أننا لا نستطيع أن نقول مثل ذلك عن مصارع يوناني أو عن لاعب كرة إسباني، إلا لفترة معينة! وإذا كانت هذه تتطلب تلك، أعني الكونية أو المعاصرة و العالمية،  ولا تفترق عنها فإن الدوافع العامة  كذلك مشتركة بينهما: دوافع أمة تتطلع، من خلال أفراد أو مجموعة، إلى التواجد في العالم  و لاشك أن أبطالنا المرموقين، في الرياضة خاصة، يقدمون إلينا أكثر من مجرد " انتقام" أو" دعاية"، فهم يكادون يقولون، لنا وللعالم: أنظروا، وافتحوا أعينكم جيدا، نحن أيضا، وفي كل مجال، ورغم كل الظروف، نستطيع هذا، إذن يستطيعه بقية مواطنينا، في هذه المجال أو غيره!

       ومع هذا فإن الوسائل إلى ذلك تختلف: لا يصل الكتاب والمفكرون إلى الكونية، إذا وصلوا، بنفس الوسائل والإمكانات التي يصل بها الرياضيون، على سبيل المثال، إلى العالمية:

       مبدئيا ، ومن زاوية مثالية محضة ، فإن "الذات الكونية" تعني كل الأعمال البشرية، السلوكات والإبداعات،  التي يعبر بها الإنسان عن إنسانيته وتتحقق بواسطتها هذه الإنسانية، أي الأساس المشترك بين بني الإنسان كما يتجلى في منتجات الحضارة أو الثقافة. إنها الخبرة البشرية، منظورا إليها من زاوية كلية وباعتبارها تشكل هوية للإنسان،  في كل بقاع العالم ومختلف مراحل تطوره، الأمر الذي يبرر الحديث عن مفاهيم أو مقولات من نوع "حقوق الإنسان"، بصفة عامة، أو"الإبداعية"، على سبيل المثال.

       إن الاعتقاد في هذا النوع من "الهوية الكونية" للإنسان ليس اعتقادا مثاليا رغم أصله المثالي، لقد أسسته الديانات، من خلال مفهوم الأخوة الدينية والانتماء إلى جوهر واحد، والفلسفة، من خلال شمولية العقل، والعلم، من خلال عالمية المنهج الفرضي-الاستنباطي، والفن والأدب، من خلال تشابه الذوق، والسياسة، من خلال مبادئ المساواة في الحقوق والواجبات، وتقارب الوجدان البشري.

       أما مختلف تحققات هذا الأساس المشترك، من حيث أشكالها وأنماطها في الزمان والمكان، فهو ما يعنيه مفهوم "المغايرة"، إذ لا تتحقق "الذات الكونية"، ولا تعبر عن ذاتها إلا من خلال الاختلاف وبواسطته، أعني في مكان و زمان محددين، و بواسطة مجموعة بشرية معينة تشترك في هذا الزمان و هذا المكان كما تشترك في العالم .

       إذن "الذات الكونية" ليست فكرة سابقة عن الإنسان، إنها فقط ما يتحقق من خلال مختلف إبداعات واكتشافات الإنسان سواء على مستوى معيشه اليومي أو على مستوى معيشه العام، وهو الأمر الذي ينتج عنه نوع من الهوية المشتركة ونوع من الطاقة التي تظل تتجدد وتتطور، محليا و عالميا .

       والأهم من ذلك أننا لا يمكن أن نتحدث عن إنسانية الآدميين، ومن أي منظور، ولو كان هذا المنظور مثاليا خالصا، إلا ابتداء من اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يبدع فيها الوسائل للتكيف مع محيطه وتطويره، أي شرع فيها في ممارسة إبداعيته. إن "الذات الكونية" إذن مفهوم تاريخي، مفهوم يتشكل في التاريخ الذي يصنعه ويتطور فيه، أما المغايرة فهي أداته التي يتحقق عن طريقها  وينجز بواسطتها التاريخ، ومعنى ذلك أنه لا يوجد تاريخ للإنسان، تاريخ في مكان محدد وزمان معين، لا يعبر عن شيء من تلك "الذات الكونية"، وفي كل مكوناته المادية والرمزية، كتاريخ لفئة من البشر.

       ومن نفس زاوية النظر، فإنه لا يوجد كاتب حقيقي، روائي أو غير روائي، لا يصدر في إنتاجه عن هذه "الذات الكونية"، عن وعي منه أو عن لا وعي، مادام جزءا من هذه الإنسانية التي تتحقق،  بهذا القدر أو ذاك، في كل فرد من أفرادها مهما قل شأن الفرد أو عظم.

       لذلك، ودائما من الناحية المبدئية، ليس هناك رواية يكتبها عربي اليوم غير قابلة للترجمة أو غير متضمنة لنوع من الكونية، التي هي مؤهلها الوحيد للقابلية للترجمة والدخول إلى الثقافات العالمية. فماذا يمنعها، والحال هذه،  من أن تحظى بشيء من الكونية بالفعل، أي من أن تصبح لها مكانة فعلية، أو حضور فاعل، في ذاكرة الثقافة الكونية عندما تترجم، لماذا لا ينجح دائما وجداننا في الوصول إلى الوجدان الإنساني خارج أرضنا؟

      إن الكتابة الروائية، من هذه الزاوية، وكأي إبداع أو تعبير آخر، لا يمكن أن تتم إلا من خلال منطق المغايرة والتميز، بل المحلية، فهي عمل فرد بعينه ينتج في مكان وزمان محددين، هنا والآن، أي إنتاج محلي  بالدرجة الأولى، لكنه بسبب محليته هذه، وإذا أخلص لها الروائي حقا، عمل كوني بالضرورة، كونية بالقوة، إذا جاز التعبير، تصادف صعوبات كبيرة لتتحول إلى كونية بالفعل، وأشد هذه الصعوبات، من منظور المغايرة، هي العالمية، أي عدم الإخلاص للكونية فيما هو محلي أو عدم القدرة على تعاطي المحلية من حيث هي تحقق وممارسة للذات الكونية في جهة من العالم وفي فترة من الزمان، من التاريخ البشري العام .

       هذه الصعوبات قد تتخذ، في حالات كثيرة، صيغة محلية مطلقة، بناء على هوية عمياء منغلقة، أي صيغة الفلكلور، كما قد تتخذ شكل تقليد فارغ لروايات غربية يتحول إلى مجرد استنساخ طلبا للعالمية.

       وهي في الحالتين معا لا تضيف شيئا يذكر للكونية ولا تجد، بالتالي، من يقبل  عليها، فلا تستطيع أن تحظى بأية مكانة في الثقافات العالمية؛ لنا في تجربة ثقافات أخرى، مثل اليابان وأمريكا اللاتينية، ما يكفي من الدروس على هذا المستوى، لكن لنا في بيئتنا كذلك نماذج جيدة: من هو الروائي،  الآن، في الوطن العربي؟ إنه نجيب محفوظ أو حنا مينه، على سبيل المثال. لكنه قد يكون يوسف إدريس أو فؤاد التكرلي أو غيرهما من الأسماء التي لم يعد يجادل أحد في روائيتها!

 كل واحد من هؤلاء مجرة، عالم قائم بذاته، ليس فقط في القطر الواحد، وإنما في الوطن العربي كله؛ إن ما يجعل الواحد كاتبا مغربيا أو سوريا أو يمنيا، مثلا، ليس هو فقط الروائح والألوان، في هذا القطر أو ذاك، فهذه الأشياء قد لا تختلف كثيرا في بغداد أو دمشق عنها في القاهرة أو مراكش، ولا فضاءات العيش في القطر كله. فأغلب هؤلاء الكتاب قد اختار فضاءا صغيرا من قطره واشتغل عليه إلى درجة أن جعل منه العالم كله،  إن أهم شيء في هذه الروايات هو معاينة الإنسان، في مصر أو سوريا، مثلا، يمارس إنسانيته كإنسان، أي يمارس كونيته، في حين أن آخرين يجعلون من هذا الإنسان مجرد نسخة فولكلورية أوصورة مشوهة لغربي، بمظاهر عربية ،  لا يجد نفسه في هذه المحلية.

إن الكاتب العربي كاتب "قطري"، وأحيانا "جهوي"، بالمعنى الإيجابي، إذ تشعر لديه بحركة، وروح، الوجدان العربي في مصر أو الشام أو العراق أو المغرب. لذلك فهو قومي. إذن كوني!

       ومع ذلك تجد أعمال هؤلاء الروائيين العرب الكبار صعوبات في أن تحتل  أحيانا مكانة محترمة في الثقافات العالمية، لماذا، ؟ للقضية مظاهر أخرى وأسباب لم نصل إليها بعد بالرغم من أننا لا نريد البحث فيها كلها وإنما فقط في جوانب مما يرتبط بقضية " الكونية و المغايرة " ، من زاوية ارتباطهما بالوجدان.

       إن ما سبق قد يسمح لنا بالقول إن القطرية، وكذلك القومية، ليست سوى تكييفات خاصة لمكونات رمزية كونية، بفعل التاريخ والجغرافية، كما ينجزها إنسان معين في زمان ومكان محددين. لذلك توجد الكونية في المحلية، في المغايرة وكما توجد المغايرة في الكونية : الذات الكونية تتحقق في المحلية، بواسطة المغايرة المبدعة والنافية، المؤكدة لها، في نفس الآن، والمحلية تتحقق في الكونية، عن طريق الأساس الإنساني المشترك الذي تتطلع إليه كما تنطلق منه، كما ينطلق شخص من ماضيه ويتطلع إلى غده، وكما تتحقق المصرية أو المغربية في كاتب بعينه، والعروبة في قطر بذاته أو في كاتب، فأنا لو لم أكن مغربيا ما كنت لأكون عربيا، ما كنت لأكون مغربيا في مكان معين وتاريخ محدد. وبالمثل لو لم أكن إنسانا ما كنت لأكون لا هذا ولا ذاك!

       هذا هو المضمون العام للكتابة، مضمون أو مادة ثابتة ومتغيرة، في نفس الوقت، في ذاتي وخارج ذاتي. لكن الأمر لا يتعلق بمادة جاهزة أو معطى منجز، بشيء ما علي إلا أن أمد يدي إليه لأصنع منه رواية، وإنما بمحتوى تاريخي يحتاج الإمساك به إلى الوعي، إلى إحساس خاص به، إلى حس تاريخي ووجودي، كما يحتاج إلى تقنيات: لا تلتقي المحلية بالكونية إلا بفضل هذا الإحساس بعمق التاريخ وغناه، أي تاريخ، كيفما كان نوعه ومكانه وزمانه، وإلا بواسطة تقنيات معينة تسمى تقنيات الرواية، إذا تعلق الأمر بالرواية ، أو تقنيات البحث العلمي ، إذا تعلق الأمر بالعلم .

       إننا ها هنا أمام ظاهرة كونية تمارس بنفس الأدوات في كل الفنون وفي كل العلوم، في جميع أقطار المعمور. فإذا رام اليوم أي عربي أن يمارس علما من العلوم، وليكن الرياضيات أو البيولوجيا مثلا، فإنه لا خيار له في أن يمتلك هذا العلم روحا ومنهجا، أي فكرا معينا في النظر إلى الكون وإجراءات محددة، أي تقنيات، للتعامل مع مادته، وإذا شئنا مثالا أقرب إلى الرواية فليكن علم الاجتماع أو علم النفس، إن علم الاجتماع من أكثر العلوم ارتباطا بالسياسة، لكنه علم لأنه تصور، رؤية خاصة للإنسان، وإجراءات، أي منهج.

       كذلك الأمر بالنسبة لعلم النفس، الذي هو أكثر العلوم إثارة للمقاومة في مجتمعاتنا، فإن لا أحد بإمكانه أن يبدأه من الصفر، أن ينشئه من لا شيء، فإما يأخذ بروحه وتقنياته، وليطورهما كما يشاء، وإما أنه سيمارس علما آخر لا علاقة له بعلم النفس.
 نفس الوضع بالنسبة للسينما أو
التشكيل أو المسرح، مثلا، فلا أحد يمكنه أن ينتج فيلما من خارج روح السينما وتقنياتها ولا أحد سيغفر له ضعف معرفته بهما، فقط لأنه مغربي أو جزائري، بل إن الذين يبدعون في السينما العربية هم الذين يتقنون صنعتها، روحا وتقنيات، هؤلاء هم الذين بإمكانهم، وقد أكدوا ذلك مرارا، أن تلتقي لديهم المحلية بالكونية، فالأشكال كالمناهج ليست مجرد أدوات، إنها رؤية، فكر، والأهم من هذا أنها كونية 
لذلك لا تتحقق الكونية فقط من خلال المادة المحلية، والوعي بغنى التاريخ الإنساني على المستوى المحلي، وإنما كذلك، وبالضرورة، من خلال كونية التقنيات، تقنيات السرد بالنسبة للرواية، التي هي بدورها وعي وأدوات لا ينفصل أحدهما عن الآخر. أما الذي يرفض كونية هذه التقنيات فلا يختلف عن الذي يمتنع عن تعلم لغة تواصل دولية لأن لغته المحلية، التي لا تزال في أقصى درجات المحلية، تملك، لأنها لغة ولأن لها تاريخا، ما يؤهلها لأن تكون لغة عالمية !

 تتجاذب الثقافات وتتنابذ، مثل اللغات إلى حد ما، لكن لن تقبل لغة الترجمة إلى أخرى بدون أساس مشترك، أساس كوني هو عبارة عن ثوابت ثقافية غير قارة الشكل تتوفر عليها جميع اللغات. كذلك الأمر، إلى درجة ما، في العلوم والفنون، روحا وإواليات. لذلك فإني لن أستطيع أن أترجم رواية عربية إلى لغة أجنبية وهي لا تتوفر على حد أدنى من تقنيات الكتابة الروائية، وإذا ما حصل هذا فإن هذه "الرواية" ستظل تعاني من مشكلة التصنيف، تصنيفها في جنس من الأجناس، وربما من قصورها الروائي لأن ضعفها قد لا يكون له سبب آخر غير تخلفها تقنيا، وقد تصادف بعض الإقبال لدى بعض المتعاطفين أو المحترفين، كما يحدث لبعض أفلامنا التي قد تحصل على جوائز، لكنها لن تحتل أية مكانة تذكر في دائرة الكونية الروائية و لا في ذاتنا .

       لذلك قبل أن نتهم أي أحد ، أو جماعة ، بالعداوة والاحتقار والكيد لنا، هكذا بإطلاق وخيبة أما، يجب أن نبدأ في دراسة أسباب فشل الإقبال على الكثير من النصوص العربية المترجمة دراسة ذاتية، فالدوافع، كما سبق القول، لا تلتقي دائما بالوسائل الضرورية، وسنلاحظ، آنئذ ربما، أن بعض النصوص موغلة في "المحلية" أوالخصوصية العمياء، وبعضها لا روائية فيه، وبعضها "شكلي" سطحي، وبعضها مفرط في "العالمية"، أي أن جلها لا يضيف شيئا يذكر إلى التجربة الإنسانية ولا ينخرط في الذات الكونية، فنفهم ربما لماذا تبقى على هامش اللغات التي تترجم إليها، غير أننا قد نفهم، أو على الأقل نتساءل عن سر ترجمتها وسر إقبالنا نحن على قراءتها!

       إلا أن هذا التحليل لا يعفي من تحليل آخر، على مستويات أخرى، بالنسبة لبعض النصوص الروائية التي قد تنتمي إلى الذات الكونية. ومن هذه الناحية يمكن الاستعانة بعناصر أخرى قد يكون من أهمها ما يلي:

       1- ليست كل الروايات التي من هذا النوع، وفي كل الشروط والأحوال، قابلة للترجمة والرواج، لأنها تنويعات على أصل معروف قد يهمنا، في الظروف الراهنة، لكنه لا يهم الغرب، إما لأنه حصل فيه نوع من الإشباع لديه وإما لأن شروطا ظرفية توجهه إلى أن يجده في جهات أخرى.

       2- إن الراهنية، أي الوضع الثقافي-السياسي الذي تنتجه الصراعات العربية-الغربية والصراعات الجهوية، كالصراع العربي-الإسرائيلي، لا تسمح لبعض الأعمال أن تجد الرواج والإقبال الذي تستحقه في صوف القراءة الغربية.

       3- يتكون لدى كل طرف مع جيرانه وخصومه وأعدائه نوع من اللاوعي الحصري أو الاختزالي يترسخ لديه عبر التاريخ، ولقد حصر الوطن العربي واختزل، كجزء من "الشرق"، وأدمج شمال إفريقيا في هذا الاختزال، حصر كل هذا الشرق في استيهامات معروفة الآن منها الحريم والإباحية والحشيش والاستبداد والتذررية الذوقية والفكرية، أي في صور مستبطنة، صور متناقضة لأنها تعبر عن حاجات متناقضة، بحيث حدد بواسطتها ما ينقص الغرب في الشرق وما لا ينقصه، ولا يمكن أن يوجد في الرواية العربية مما ينقص الغرب، من هذا المنظور، سوى ما ينتمي إلى خرافة هذا الشرق المؤثت بالاستيهامات البدائية، الأمر الذي ورثته، عن الرواية الكولونيالية، بعض الروايات التي يكتبها عرب باللغة الأجنبية. ولاشك أن هذه الروايات المكتوبة، بالفرنسية مثلا، بالنسبة للمغرب العربي، تشكل نوعا من العائق، قد يكون ثانويا، في وجه الرواية العربية لأنها تلبي، من جهة، بعض الحاجة إلى الأجنبي العربي، ولأنها، من جهة أخرى، تركز نموذجا، "أهليا" ومندمجا في نفس الوقت، للرواية التي قد تأتي من الوطن العربي، أي تبني طوقا وأفق انتظار ليس في صالح كل الروايات العربية المترجمة !

       4- ليس وراء الرواية العربية، مقارنة بأمريكا اللاتينية مثلا، أية سوق قراءة قوية ولا أية سوق للدعاية والإعلام تخلق لها رواجا كافيا ونقاشا يثير إليها الانتباه، كما لا توجد وراءها مؤسسات حقيقية ، ثقافية وإعلامية ، تستطيع أن تبرز النماذج الجيدة منها وتستطيع بذلك أن تساعد على فرضها على الذوق العام، وإذا ما قارنا عدد الجوائز والمؤسسات، في بلد كفرنسا مثلا، وما تخصصه وسائل الإعلام للرواية من حيز، إذا ما قارنا هذا بوضعنا في الوطن العربي بأكمله قد ندرك أنه يصعب على الرواية العربية أن تصل إلى الكونية وهي على ما عليه على مستوى القومية.

       5- للمترجمين مصالح ولوسائل التسويق والإعلام مصالح كذلك تفرضها الحياة وطبيعة السوق الثقافية، إن الدول المتقدمة تبيع الاقتصادي بالثقافي، هكذا هي حال فرنسا مثلا مع الفركونونية. أما مجتمعاتنا فإنها إما تبيع النفط أو تبيع السياحة. النفط ليس في حاجة إلى الثقافة لكي يباع مادام متوفرا وآباره جاريه. أما السياحة فيكفي أن نتصفح المنشورات المخصصة لها، في الفرنسية مثلا،  يكفي أن نلقي نظرة على هذه المطبوعات لندرك أية ثقافة تحتاجها السياحة، فهي لا تخرج عما أسميناه ب "استيهام البدائية"، بصفة عامة.

 ولاشك أن هناك "بضائع" أخرى تباع في الوطن العربي، لكنها لا تحتاج إلى الرواية. فالرواية حاجة أفرزها تاريخ معروف، لكن هذه الحاجة، وبسبب هذا التاريخ، وكيفما كان وضعها الراهن في العالم، من حيث مستلزماتها التاريخية، فإنها لا توجد خارج التاريخ، خارج الوضع الثقافي لأمة من الأمم. وهذا أمر لا علاقة له بخرافة " الرواية ملحمة بورجوازية " التي يرددها البعض ببغاوية وكأن الرواية بالفعل ملحمة بورجوازية، ولا بد لها من بورجوازية عربية لتزدهر، فالعلوم الحديثة، وكذلك نشأة السياسة الحديثة ، ظواهر بورجوازية محض، ناهيك عن السقوط في " نقيضة الشك" : الرواية "ملحمة بورجوازية" وأنت تكتبها في غياب ما تسميه "بورجوازية عربية" !

       6- تمتاز الرواية العربية، على العموم، بروح نضالية أو احتجاجية ،ونظرا لطبيعة الصراعات في الجهة ولطبيعة التحالفات، ونظرا لتناقض الغرب ذاته وتعدده، ونظرا كذلك لاستمراره، بشكل يدعمه تاريخه وراهنه، في تمركزه حول ذاته، كأي ثقافة ظافرة، فإننا لا ينبغي أن ننتظر المعجزات في حصول الرواية العربية على مكانة متميزة في العالم : قد ينسل منا بعض الأفراد، إلى الكونية، لكن الباقي رهين بالوضع العام لمجتمعاتنا، بصفة عامة، و بثقافتنا، على الخصوص : أما نكتب لنترجم!

       7- الأقسى من ذلك ألا نقسو على أنفسنا ونصارحها: كم عدد الروايات التي تصدر سنويا، في كل أقطار الوطن العربي مجتمعة، والتي تستحق أن تترجم بالفعل؟ وهل كل الروايات التي أنجزها روائيونا الكبار قابلة للترجمة ومن الضروري ترجمتها ؟ ولنقلب السؤال لتلطيف حدته: كم عدد المتابعين حقا لكل ما يصدر لدينا من روايات، وإذا وجد منهم نفر يتابع بالفعل فكم من الروايات التي سيتفق حولها أفراد هذا النفر مجمعين على أنها ينبغي أن تترجم؟ إن حوالي تسعين في المائة مما يحمل اسم الرواية في ركام الإنتاج الغربي والأمريكي مجرد استنساخ وتكرار لا يضيف شيئا يذكر لفن الرواية، فما هي الحال عندنا يا ترى ؟

       يستدعي ما سبق ملاحظتين ، من باب الخاتمة أو إعادة الصياغة:

       أولا، إن انتقال المحلية إلى الكونية، واصطباغها بها، من الصعب أن ينجزه فرد وحده، مهما بلغ من العبقرية، و لا جنس أدبي، ولا جانب محدود من المجتمع، إذا صح ما سبق ذكره بخصوص " نظام المعاصرة "، و نحن في حاجة إلى تعلم المعاصرة بقدرما نحن في حاجة إلى إنتاجها و ممارستها ، أي إلى  أن نكون مواطنين قبل كل شيء!

ثانيا، و بناء على هذا ، فإنه قد يدخل منا أفراد، أو يدخل مرفق، إلى الكونية لكنه لن يدخلها حقا  إلا من خلال كامل المجتمع، بنيات المجتمع الأساسية!

لذلك فإن القارئ الذي يعنينا، هنا و الآن، بالدرجة الأولى ليس هو القارئ العالمي و إنما القارئ العربي، أي المواطن في كل قطر من أقطارنا العربية، وربما في كل جهة من القطر الواحد : ممارسة الكونية من خلال المواطنة، سواء تعلق الأمر بالثقافة أو الاقتصاد أو السياسة أو السلوك اليومي، فإن من معاني الوجدان، في العربية، الضمير !  

موقع الميلودي شغمـوم

 

أبواب الموقـع

الرئيسيـة

تعريـف

مقــالات

نقد النقد

 

نقد الروايـة

 

حـوارات

 

إصـدارات

مؤلفات  
روايات  
ترجمـات  
مؤتمرات ونـدوات
وطنيـة  
دوليـة  
متابعـات صحفيـة
حول إصداراتنا  
حول أنشطتنا  
مختلفات  
قراءات مفتوحة (ملف مفتوح لكتابات مقبلـة)
الرواية  
النقـد  
الثقافـة  
نشاط أكاديمي
الأدب العام والنقد المقارن  
المقارنون العرب اليوم  
مشروع معجم مصطلحات الأدب  
معـارك أدبيـة
مجلة الزمان المغربـي
رسائل الأعـزاء
محليـة  
دوليـة  

صـور

روابـط

للاتصـال بنـا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008