نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

القدس العربي
الباحث والناقد المغربي سعيد علوش:
لا وجود لأدب لا يقارن
والأدب لا يتحقق بدون فلسفة
الجمعة 23 أبريل 1999
الرباط - "القدس العربي" – من الطاهر الطويل:


جرى أخيرا بالمملك العربية السعودية حفل توزيع الجوائز على الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية لسنة 1998. وكان من بينهم الباحث والأستاذ الجامعي المغربي الدكتور سعيد علوش، الذي نال الجائزة عن كتابه "مكونات الادب المقارن في العالم العربي" الصادر عام 1958. وتاتي هذه الجائزة تتويجا لمسار آكاديمي لدى الاستاذ في مجال الدرس المقارن، ومن بين مؤلفاته:
" الرواية الإديولوجية في العالم العربي"، "أطروحة الثقافة الخليجية في نقد النقد الادبي العماني المعاصر"، "خطاب الترجمة الادبية" وعيرها.
بمناسبة فوزه بالجائزة المذكورة التقينا بالدكتور سعيد علوش، واجرينا معه الحوار التالي:

*في البداية سالناه، عن انطباعه حول تلك الجائزة فقال:
*يبدو لي أن دلالات الجائزة يمكن البحث فيها لدى لجنة التحكيم التي رات منح الجائزة مناصفة بين مصر والمغرب،بعد أن حجمتها أربع مرات على التوالي خاصة في صنف الأدب، بالنسبة لي كانت مفاجأة لانني أعرف طبيعة اللجن التي عادة ما تهيمن عليها اتجاهات معينة. ولكن يبدو ان جائزة الملك فيصل العالمية لهذه السنة خرجت عن هذا التوجه بمنح الجائزة في مجال يبدو كالطفل اليتيم في حقل الأدب العربي: الأدب المقارن. وقبل ذلك كانت مؤسسة التقدم العلمي في الكويت قد اقترحت الموضوع (الادب المقارن) وحجبت الجائزة عن الجميع. والآن لاول مرة تقدم جائزة في الادب المقارن. وهذا شيء يشرف هذا الدرس الأدبي الذي يعتبر لحد بعيد ذا نظرة لها أهمية خاصة في قراءة الآداب العربية حديثا وقديما من منظور الحوارية التي يتعين على كل أدب أن يلجها في عصرنا.
لذا، فانا أعتز بهذه الجائزة لأنها – اولا- جائزة الأطراف:المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية، وثانيا يمن القول أن للمراكز بعدها الخاص في هذه النظرة. وقد غدت الاطراف تشارك في فترة ابن عبد ربه هذه بضاعتنا ردت إينا او أننا لسنا سوى مرددين لمقولات شرقية.
ولكن القضية الخاصة بالأدب المقارن لا تندرج في هذا الغطار الضيق للوطنيات وللشوفينية وللفضاءات المهمشة،بقدر ما أن الدراسات الأدبية الحديثة في عالمنا العربي تعد أحوج ما تكون إلى ان تمارس من هذا المنظور المقارن، وتكفي الإشارة إلى الأدبالعربي الحديث، حيث لا يمكن فتح أي كتاب دون أن نجد ان أغلب المراجع هي مراجع غربية.
فهل تخضع هذه المرجعية على الاعتباطية، أم لعماء معين ؟ إذا نظرنا إليها من زاوية محدودة. ولكن إذا نظرنا إليها من زاوية تاريخ الأفكار وزاوية الدرس المقارن، فسنجد انه بالغمكان موضعتها في إطار نظرية معرفية بدل السباحة الحرة التي يمارسها الكثيرون او الخطاب اللغوي الذي يطغى على كتابتنا بدل البحث في محددات له عالميته لانه شيء مشترك بيننا وبين الغرب دون عقد الدونية او عقدة الاستعلاء وهذا ما يحققه الدرس المقارن.

الدرس المقارن لا يطرح هيمنة معينة مثل العولمة

*هل يمكن اعتبار الادب المقارن، إذن بمثابة عولمة مبكرة قبل موجة العولمة الحالية بتمظهراتها الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية؟
* من الصعب القول بهذه العولمة، فأنا أسميها "عقلنة"عقلنة المتشظي وعقلنة الظواهر المتعددة الظواهر التي تتوالد في عوالمناالعربية بشكل أحادي، ومن منظور خاص، ولكنها لا تجد تفسيرها في مجال النظرية. إن الادب المقارن هو الآن أدب عام يندرج في إطار النظرية الادبية.
يمكن النظر إلى هذه العولمة من زاوية ما كان يسمى بالكوسموبولوتية، أو العالمية في نظر "غوته"عالمية كانتفي مراحلها الاولى مركزية أوروبية، فالباحثون في أمهات الاعمال الأدبية لن يجدوا المعري والمتنبي، ولكنهم سيجدون شكسبير ودانتي وغيرهم في اعلام الأداب الغربية. ولذلك، فإن هذه العولمة عولمة مركزية تستبعد كل الأطراف، وبالتالي فإن التعامل معها يتم بشكل "موضوي"وبانبهار أمام كل موجة جديدة. بينما لا يطرح الدرس المقارن هيمنة معينة مثل تلك الموجودة في العولمة كما لا يطرح مفهوم الآداب الكبرى والآداب الصغرى او الآداب الاستعمارية في مواجهة أداب العالم الثالث، وإنما يطرحأدبا فقط.لأنك عندما تقرأ ديونا شعريا مثلا، فأنت لا يهمك إن كان هذا اليون شرقيا أو غربيا، بقدر ما تهمك متعة القراءة وإدراك إن كان ما تقرأه شعرا أم لا. من هنا، فالدرس المقارن يطرح مفهوم الادبية أولا، أو إذا شئنا حتى لا نسقط في الثنائيات أن هذا الدرس أميل إلى الشعرية الادبية أو الجمالية الأدبية التي تعطي الأسبقية للأدب قبل أي شيء ىخر. وبذلك تكون المقارنة وسيلة لتقريب الظواهر الأدبية، التي تخضع – سواء كانت في الشرق او في الغرب- لمعطيات معينة وللمتعة التي يحققها القارئ. وهكذا يكون "غوته" أشد الناس تعبيرا عن هذه العالمية في "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي"، إذ يعتبر الادب مائدة مشتركة بين الشرق والغرب، بخلاف السابقين امثال كيبلينغ.
غنه لا أهمية للحديث عن مدى سبق الادب المقارنة للعولمة، فحتى السبق في الأدب لا اهمية له في نهاية المطاف, بل الاهم منذلك، هو الاهتمام بالظاهرة سواء كانت في الشرق او في الغرب، سواء كانت في القرون القديمة أو في العصر الحالي. الامر يتعلق بإعادة الاعتبار للادب كأدب أصلا.

ضرورة إعادة قراءة الأدب الوطنية اولا ثم العالمية ثانيا

* بما ان الدرس المقارن يحاول البحث في المشترك بين أداب الشعوب على امتداد مراحلها التاريخية، فأين تكمن جدلية الالتقاء والاختلاف بين عنصر المشترك والخصوصية المحلية؟
** لتوضيح ذلك، نعود إلى البدايات الأولى للدرس المقارن يقال دائما أن هذا الدرس خرج من منعطف تاريخ الأدب فعندما كان"فانتييغم" يبحث في تاريخ الادب الفرنسي وجد نفسه تلقائيا يقارن بين الظواهر الادبية الاوروبية، وحين كانت مدام دوستايل تقيم في فرنسا وجدت ذاتها تقارن بين الظواهر الألمانية والفرنسية.
إذن المرحلة الاولى هي مرحلة الآداب الوطنية، أي أن تلك الخصوصيةتبحث دائما عن الشبيه والميل والموازن، وفي ادبنا العربي يوجد الكثير من الموازنات كالموازنة بين الطائيين، فهذه الموازنات او البحث عن الشبيه هة المراحل الأولى من الاهتمام بالظاهرة بشكلها المبسط، بينما المطلوبأن يتم الانتقال من الآداب الوطنية إلى الآداب العامة، بخلاف ما حصل في الادب العربي، حيث انخرط الكثير من الدارسين في اختزال الأدب العربي في مراكز بمصر أو باشام، بينما لا وجود للأطراف الاخرى، لذا، فالمطلوب أن نعيد قراءاتنا للآداب الوطنية اولا، وللآداب العالمية ثانيا. عندما تقرا رواية يابانية كـ"الجميلات النائمات" فأنت تحس بان هذه ظاهرة تمس أدبية النص رغم كونها يابانية. وعندما تقرأ عملا لـ"همنغواي" او "جاك لندن" تجد انه يندرج ضمن ظاهرة إنسانية. الشيء نفسه يقال بالنسبة للأفلام السينمائية: فشريط "علاء الدين والأربعون حرامي" المصور للأطفال يقدم به الغربيون "علاء الدين" آخروإن كان في الأصل عربيا تحول من "علي بابا" إلى "علاء الدين" وكذلك الامر بالنسبة لـ"رحلات السندباد" التي تنتمي على الظواهر العالمية. وبالتالي لا شيء يسمح بأن تهيمن شوفينية معينة على خصوصيات أدبية، وبان تمنع هذه الخصوصيات عن الآداب الاخرى.
من هنا يتبن أن الأدب العربي مهيأ بشكل قوي جدا لاستقبال هذه النظرة، خاصة إذا علمنا ان أول مؤرخي الأدب العربي كانوا مستشرقين، والنظرة الخارجية تشتغل الآن على كل الآداب الوطنية فلا وجدود لأي أدب لا يقارن. وأعتقد ان المقارنة ظاهرة سيكولوجية وإنسانية عامة، ولكنها غير معقلنة، أي أننا نتعامل معها في حدودها البسيطة جدا بينما المطلوب أن نتعامل معها في إطار "الكليات الإنسانية" عوض اختزال كثير من الظواهر الادبية في ظواهر غربية او ظواهر الاستيلاب أو بضاعة مستوردة من الخارج. كل ذلك يدخل في عقدة الدونية او الاستعلاء أو في جداليات لا علاقة لها بالجدلية المطلوبة الآن بخصوص الادب.

الادب المقارن طفل يتيم بالجامعات المغربية

*وماذا عن وضعية الدرس المقارن في الجامعات المغربية؟ هل انت راض عن مستواه وعن نجاعته المعرفية في معالجة الظواهر الادبية؟
*قبل سنوات كان هناك درس للاد المقارنفي غطار الدراسات العليا، ولكنه توقف منذ ست سنوات، وإن كان يمارسه الكثير من الأساتذة عن طريق الهواية، والمطلوب أن نمارسه عن طريق الدراية. فكثير من الدارسين في شعب اللغات الفرنسية والانكليزية والاسبانية والألمانية ينزعون إلى مقاربة الظواهر من منظور الرصيد الثقافي لمكوناتهم الفكرية والمعرفية ، وبالتالي نجد العديد من عمليات التحليل التي تخضع الأدب لهذا الرصد الثقافي، لذلكيتعين أن تهتم شعب اللغة العربية وآدابها بالأدب المقارن ان تعطيه طابعا خاصا كما يلزم ان ينفتح على باقي الشعب، خاصة أن النظرة الأنطروبولوجية تفرض ان تتعامل مع كل الآداب من هذا المنظور المعرفي: ي أن لا نمنع أي شخص من دراسة الادب المغربي أو الإسباني أو غيرها، ولكن المطلوب أن نتناول هذا الأدب من منظور الأنطروبولوجية الثقافية التي تجعل هذا المقياس وحده كفيلا بإعطاء نظرة أكاديمية جامعية.
للأسف، هناك تعامل شبه حذر مع الدراسات المقارنة بالمعنى الرسمي، فهي توجد فقط في جامعة واحدة بالرباط، بينما توجد 13 جامعة بالمغرب، لا معنى أن يظل هذا الدرس الطفل اليتيم الذي تهتم به فقط جائزة بعد سنوات كثيرة.
كان الاهتمام الاولي مع محمد غنيمي هلال، الذي يعتبر نفسه رائد هذه الدراسات في مصر، مع أنه كان مجرد مروج للمدرسة الفرنسية في عالمنا العربي، مما يبلور بؤس الدراسات المقارنة عندنا نحن العرب، غذ جعلت من مهمتها الترويج للأفكار الفرنسية في الآداب العربية، بدليل ما هو رائج لدينا الىن هو التأثير والتأثر، أي أن الدرس المقارن اختزل إلى مؤثرات، من أثر في المعري؟ أو في دانتي؟ او من أثر في الأدب العربي ؟ إننا نجد ظواهر غريبة ومضحكة، فمثلا يقال أن صاحب رواية "زينب" محمد حسين هيكل قرأ "إيلوويز الجديدة" وفي المسرح نتحدث عن كتابات يعقوب صنوع الذي استلهم فيها الغرب. وبالنسبة للقصة نجد محمود تيمور يعتد بـ"غيدي موباسان" مثالا أي ان المرجعية تكاد تكون الهاجس الكبير لدى الكثير من المقارنين، وحتى في الحوارات، عندما تسأل كاتبا معينا عن اهم الكتاب الذين استلهم منهم، فهو يقدم لك الأسماء الغربية الكبرى، لانه يعتبرها سلطة معرفية اساسية في ثقافته وفكره وادبه. من هنا فقضية التأثير والتأثر تعد اختزالا للدرس المقارن في جانب ضعيف جدا. إن 90% من الدراسات العربية المقارنة هي دراسات في مجال التأثير والتأثر، أي أن الدرس اختزل بمنأى عن تاريخ الأفكار والترجمات والرحلات وما تعتبره المدرسة الامريكية بحثا في الجمالية، وفي تداخل وسائل التعبير المختلفة. أعطيك مثالا بسيطا: إننا لا نجد في جامعاتنا المغربية والعربية درسا في مجال علاقة السيناريو او السينما عامة بالرواية أو الموسيقي بالرواية.
إن هذه الآداب الملحقة تكاد تكون مستبعدة نتيجة طبيعة الرصد الثقافي ومحدودية النظرة إلى الادب المقارن، واعتباره مجرد وسيط بين الغرب والعرب، أي علاقة قوى غير متكافئة.
علاوة على ما سبق، يرجع كثير من الباحثين ضعف الدرس المقارن إلى كونه درسا غربيا لم يستوعبه العرب بشكل قوي ، ولكن إذا كان الدرس المقارن خرج عن معطف تاريخ الادب ، فلا يمكنه أن يزدهر إلا بعدما تزدهر الدراسات الوطنية ، ومن ثم يحق لنا أن نتساءل : هل يوجد كتاب في الأدب المغربي القديم أو الحديث يفي بكل الأدباء المغاربة ويعطينا نظرة شاملة عن انتاجاتهم ، على غرار ما هو موجود في الأدب الإنجليزي أو الأمريكي او الفرنسي مثلا؟غياب هذا المنطلق يجعل الدرس المقارن يتأثر بهذا الغياب ويدور في حلقة مفرغة، أما انه يقدمه مجموعة من الأفكار، والدليل أن حوالي 30 كتابا صدر في العالم العربي بالعنوان نفسه تقريبا: الادب المقارن بين النظرية والتطبيق، الأدب المقارن بين الشرق والغرب... كل هذه الكتابات يستنسخ بعضها البعض بتأثير محمد غنيمي هلال، وبذلك تحولت بفعل هذه الكتب يؤلفونها لطلابهم، فهم يلعبون دور الوسيط في نقل الأفكار الغربية إلى هؤلاء الطلاب. وهذا وضع مريح بالنسبة للدراسات المقارنة. وفي الوقت ذاته لا يمكن ان يدرس الأدب المقارن لشعب أحادية اللغة فعندما كنت أدرس الادب المقارن في سلطنة عمان كنت أجد نفسي أمام طلاب أحادي اللغة، أدرس تاريخ الأدب، وأقدم معلومات ، وكان يصعب على تدريس المقارنة بالمعنى الدقيق للكلمة.

الدرس المقارن للحديث عن الظواهر الشاذة في دراسة الأجناس والنظرية

*يقوم الأدب المقارن على إلغاء الحدود الضيقة بين عدة مجالات، ولا سيما بين الحقول الإبداعية والمعرفية، فأين تتقاطع الدراسة المقارنة مع الدراسة الأدبية المحضة وكذا مع مجالات العلوم الإنسانية؟
*يقال عادة ان الدرس الأدبي المقارن هو درس يتغدى على موائد مختلفة، أوانه درس غير مستقل بذاته أصلا،ولكن هذا الدرس يتقاطع مع العلوم الإنسانية كما يتقاطع مع العلوم المحضة، ففي الفيزياء او الطب او غيرهما من العلومنجد اليوم فيزياء مقارنا وطبا مقارنا، وهناك مثال بسيط على ذلك "نظرية العماء" او "النسقية" أو "الدينامية" كلها مفاهيم مجالها هو العلوم المحضة، ولكنها انتقلت إلى العلوم الإنسانية وبالذات إلى الأدب.
وأعتقد أن الدرس المقارن مؤهل اليوم لكي يتحدث عن هذه الظراهر الشاذة في دراسة الاجناس أو دراسة النظرية أو دراسة الخصوصية الوطنية، وقد تنبهت الجمعية العالمية للأدب المقارن إلى هاته الموضوعات حينما طرحت خلال السنوات الماضية موضوعات تهم الانتقال من الخصوصية إلى العالمية عن طريق الأجناس او "ثيمات" معينة، وبالتالي فأن هذا التقاطع هو من شيمة الدرس المقارن لانه يتقاطع مع وسائل تعبير مختلفة.
عندما نبحث – مثلا – عن موضوع الموسيقى في قصائد شاعر معين، او نبحث عن النظرة السينمائية في كتابات قصصية او ظواهر السيناريو في أعمال روائية، فمعناه ان هذا الدرس مشدود إلى أجناس ودروس أخرى وبالتالي فهو يبدأ من حيث تنتهي بقية العلوم الإنسانية، إنه من المستحيل دراسة الرحلة الأدبية دون العودة إلى الجغرافيين، أو إلى علم النفس، أو إلى ما يسمى بـ"الصورولوجيا"أي الصورة الخاطئة لدى صاحب الرحلة، لكونه لا ينقل صورا حقيقية، وإنما ينقل صورته عن الشعوب الأخرى التي يزورها. إن هذه الرحلة تتحول مع "أمين معلوف" إلى جنس آخر، فهو عندما يكتب "ليون الافريقي" يتحدث عن حسن الوزان الذي اختطفه الراصنة وأهدوه إلى البابا، وأصبح نموذجا للتسامح والمعرفة و"الكوسموبولوتية".. إلخ. وبذلك انتقلت الرحلة من مجال نعرفه بالوصف إلى مجال الرواية التي تهتم بالتحليل والتفاصيل وبنظرة الآخر. وكذلك الشأن بالنسبة لرحلة رافع الطهطاوي "تخلص الإبريز في تاريخ باريز" التي نجد فيها المقالة والكتابة القصصية والحكاية وتاريخ الأفكار والترجمات وغيرها من الأجناس، بحيث يمكن أن نصف هذه الرحلة بكونها "جامع الأنواع" والجمع بين الانولع المختلفة ليس بالامر الهين بالنسبة لكاتبها او بالنسبة لمحلها.ولكن الدرس المقارن يعود إلى الجانب السوسيولوجي والتاريخي والجغرافي بدليل "ابن بطوطة"يدرس في قم التاريخ كما يدرس في قسم الادب، ويمكن تدريس رحلته في قسم الجغرافيا، لانه يقدم أوصافا جغرافية لمناطق مختلفة. وفي مجال الترجمة التي هي موضوع اختلافات عديدة من قبيل: من يترجم؟ وهل هذه الترجمة هي "الجميلة الخائنة" دائما؟ أم أنها هي الحفاظ على الأصل؟ فإذا عدنا – مثلا – إلى ترجمة مصطفى القصري وترجمة أدونيس لـ "أزهار الشر" لبودلير، نجد أن الأول يتفوق على الثاني في هذه الترجمة، مع أن المفوض أن الشاعر هو الذي يتفوق على المترجم في ترجمة الشعر. لكن هذه الظاهرة يمكن أن تحلل من الوجهة المقارنة أو من منظور "أوجيب نيدا" على المعادلات الموضوعية للترجمة ليست مجرد معرفة باللغة فحسب بل هي معرفة بالأصول الأنطروبولوجية للثقافة التي نتعامل معها، وبالتالي، نستطيع القول أن المقارن في نهاية المطاف هو شخص يجلس بين كرسين، بين ثقافتين، بين حضارتين ولغتين. إذن فوضعيته غير مريحة على الإطلاق.
أهمية المقارنة تتجلى في كونك لا تملك سلطة هذا الدرس، بل تملك سلطة السؤال حول ماهية الدرس وماهية التقاطعات الموجودة داخله.

استعمال "الأنترنيت" مازال محدودا عندنا

*أية استفادة تتيحها التقنيات المعلوماتية والتواصلية الحديثة كـ"الانترنيت" للباحث في الدراسات المقارنة؟
*قبل "الأنترنيت" كانت الاستفادة من مجال الإعلاميات والقنوات السمعية – البصرية. ومسالة "الانترنيت" تعيدنا إلى مقولة ان العالم قرية صغيرة.
إن بمقدورك التواصل بأقصى سرعة ممكنة مع أي باحث في أي منطقة من العالم، وبإمكانك قراءة انتاجات الباحثين الذين يشتغلون في المجال نفسه. وهذا لا يخص الدرس المقارن وحده بقدر ما يعني كل الدراسين في مختلف الحقول: ضرورة الحصول على المعلومات، فلا يمكن أن نشتغل ونحن نتجاهل البلد المجاور لنا، ولكن يبدو لي أن استعمال "الانترنيت" مازال محدودا عندنا، إذ يقتص على النخبة أو نخبة النخبة، مع أن الجامعة المغربية فتحت فرعا للتواصل عبر هذه الاداة. ولكنه محدود على كل حال.
الدرس المقارن مرحلة من المراحل الأساسية في عملية التواصل هاته، إنك لا تتواصل بلغة واحدة، فاللغة المستعملة الأساسية هي الأنجليزية، وبعدها تاتي اللغات الاخرى، وحتى الفرنسية لا تمثل نسبة مهمة، إذ تقتصر على 30 % أو20 % بالنسبة للاستعمال، أما العربية فهي جد محدودة وتنحصر غالبا على المنطقة الخليجية بحكم سبقها العربي في الإعلاميات.

المبدع أصلا ناقد لا يحتاج إلى من يقدمه لعالم

*يقابل الاشتغال المنصب على الدراسات المقارنة، عادة ما نجد كثيرا من المبدعين والأدباء العرب والمغاربة بشكل خاص يشتكون من تقصير النقد في مقاربة وقراءة اعمالهم. ما مدى صحة هذا الزعم؟
*هذه الشكوى هي شكوى خارج أدبية، لأن المبدع أصلا ناقد، فهو لا يحتاج إلى من يقدمه للعالم. واظن ان كثيرا من النصوص الأدبية تقرأ فيها نقدا وإبداعا، وكما يقول إيهاب حسن: ما دمنا نفرق بين النقد والإبداع فلا وجدود لنظرة أدبية متكاملة، يجب ان نقلص المسافة بين النقد والإبداع، لأن عص النقد اعتبرت لمدة طويلة سلطة يمكن ان توقف العديد من الأصوات وهي بداية الطريق، ويمكن أن تعلي مجموعة أخرى من الأصوات.أنا لا أريد أن نتحدث عن الشللية وعن نوعية العلاقات داخل الملاحق الثقافية للصحف وعن الحوارات الت يتكون دائما ثنائية أو بين جماعة واحدة، ولكن إذا شئنا ان نتحدث عن الأدب كأدب وعن النقد كنقد بما يصلنا سواء من الغرب أو من الشرق، يخضع لقواعد معينة ولا تطغى عليه الفقاقيع ففي نهاية المطاف كم من نقاد يكتبون، وكم من نقاد يرسخون أسماءهم. كم من مبدعين ينشرون أعمالهم وكم من مبدعين نذكرهم. الآن نذكر المتنبي والمعري، ولكن في عهدهما كم من الشعراء كانول يقولون شعرا؟
والشيء نفسه ينطبق على النقاد، لنتامل المعركة النقدية الموجودة حاليا في مصر: إنها قائمة على مفهوم "ابيلار" في الخاصي والمخصي" أي ما كان يسمى في الأدب العربي القديم بالمناظرة، والإلحاح على ضرورة تمريغ أنف الخصم في التراب، (مفهوم الهزيمة)، بينما لا علاقة للنقد بمثل هذه التصورات على الإطلاق، أقرأ مثلا "نظرة الأدب" لرينيه ويليك فانت لا تجد مثل هذه الجدليات. بل تجد جدلية ونفسا طويلا وعقلنة للظواهر، وارى أن "باشلار" كان من السباقين إلى فهم الخصومة، فهو الوحدي الذي لم يدخل إلى خصامات جدالية، لإيمانه بكونها مجرد مزايدات. والمزايدة لا تعطي نقدا على الإطلاق. إن الخصومات التي كان من بين أقطابها: طه حسين وزكي مبارك وعباس العقاد وغيرهم والتي كانت تستمر لعشر سنوات او لعشرين سنةن أثارت فضول القراءإلى فرجة معينة، ولم تعط نتائج نقدية هامة.
إن النقد يظل نقدا لا بمعنى السلطة ولكن بمعنى المعرفة والنظرية المعرفية، بدليل ان النقد العربي يراوح الىن في مكانه لفقر في الخلفية الفكرية وفي علم المعرفة، لان هماك من يتعامل مع الأدب كما لو كان شيئا منعزلا عن الجانب الفلسفي، الأدب الحق لا يمكن ان يتحقق بدون فلسفة، فكل كبار النقاد يرجعون إلى "أرسطو" او "فيورباخ" أونوثروب فراي".. كمحطات ثقافية أساسية في التنظير والمعرفة والتحليل. لا يرجعون إلى سلطة هزم الآخر او هزم النص الإبداعي. هنالك الكثير من الظواهر التي تندرج ضمن ما يسمى "ماقبل النقد" ولكنها تطغى وتتداول كما لو أنها هي النقد، بينما تلك الجدليات، قد تهم مجموعة معينة وقد تهم جانبا صحافيا أو إشهاريا وإعلانيا أكثر مما تهم النقد أو الأدب في حد ذاتهما.

 

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

المثقف المغربي لا يملك سلطة التأثيـر

 

د. سعيد علوش يفتح النار على النقد والنقاد وأشياء أخرى / حاوره: خالد عبد اللطيف
  الدكتور سعيد علوش يتحدث عن النقد المعاصر: المنهج ليس وصفة / حاوره: ناظم عودة خضر
  الواقع العربي أغنى من كتاباته / حاوره: حسن الوزاني
  إعطاء الأهمية للسياسي خطأ والحلول الممكنة لعثراتنا تبدأ من المجال التربوي
  الملاحق الثقافية جنت على الكتاب والقارئ أصبح يفضل أن يقرأ على الكتاب لا الكتاب نفسه
 

 

عصرنا هو عصر الرواية / أنجز الحوار: محمد عبد المجيد
  أين ينتهي التاريخ ليبدأ الروائي؟ / حوار: محد دحـو
  موضويات المدارس النقدية أسقطت الكثير من النقاد / حوار محمد دحـو
  خط التراث.. خط الحداثـة
  أين راهنية المتخيل الثقافي المغاربي؟ / حوار:  فاروق سميـرة
  الكاتب والقارئ سلتقيان عن هم البحث عن الثقافي بمعناه الشامل /  حوار: نعيمة فراح
  هناك اهتمامات معرفية كثيرة مغيبة في الجامعات المغربية / حوار: عبد الرحيم العلام
 

 

أزمة الأدب المقارن هي بالمعنى الإيجابي وليست بالمعنى السلبي
  المواكبة لروح العصر لا تخضع لمقاييس جاهزة بل لمنطق عضوي وجدلي / حوار: محمد عبد المجيد
  سؤال الصحافة الإعلامية ينخرط فيه مثقفون مخضرمون / حوار: خالد رضى
  ما زلنا في حاجة إلى ترجمة منظمة
  شخصيا لا أعتبر المشرق نموذجا للكتابة الروائيـة / حوار: محمد دحـو
  المزيد من الحوارات... هنـا

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008