نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

المتخيل الروائي لمعركة (أنــــوال)

في "المعشــــــوق" للإسباني: رامون,خ, سيندير

د. سعيد علـــــــــوش

تحل ذكرى (أنــوال) هذا الشهر، ومن المفارقات تغييبها في المتخيل الروائي المغربي، وحضورها في المتخيل الاسباني. إذ ينسى تدوينه الادبي ويقتصر على احتكاره السياسي كل سنة.

نقدم هنا رواية من (361) صفحة تتخذ من (أنوال) موضوعا لها، وقد صدرت طرعتها الفرنسية سنة 1994 رغم كتابتها الاسبانية في 1930، ورغم أن كاتبها لم يعد اسبانيا، إذ تجنس يالجنسية الاسبانية وقد توفي سنة 1982 بسان دييكو، رافضا العودة إلى اسبانيا..

صدرت هذه الرواية بالفرنسية، وقدمها وترجمها جان بييرروسوت في سلسلة (لاسالاماندر) التي يشرف عليها الباحث المقارن بيير برونيل.

ويعد الروائي الاسباني رامون. خ. سيندير (1901 – 1982) أحد أعلام اسبانيا القرن العشرين إذ يتعرف فيه الاسبان على المثقف الميثي الذي يعد محطة اساسية في بحث المجتمع عن الزمن النقدي لتاريخه.

من ثم قالكاتب شاهد وفاعل على/ في الحدث الذي هز بلده طوال نصف قرن على (نهاية الملكية فالجمهورية والحرب الأهلية والديكتاتورية الفرانكوية)، فقد جال بنظره حول هذه الاحداث بحسه الفوضوي الذي لازمه طوال حياته، وتبلور ذلك بشكل خاص في عمله الروائي الذي تطبعه الرؤية الشعرية والتعمق الميتافيزيقي المصاحب على التساؤل عن قدية هذه الحرب الاسبانية – المغربية يرافق الكاتب كظله في إذانة واضحة لعنف بدا كما لو كان علامة مميزة في حياة الاسبان. تبلور ذلك في روايات سابقة من قبيل (الملك والملكة) و(الفضاء) و (الجلاد) و (..فلاح اسباني) وتتكون رواية (المعشوق) من ثلاثة أجزاء، هي:

التموقع

انوال والكارثة

الغزو والحرب والعودة إلى الحياة المدنية: نحو سلام للاموات

لم تقرأ غالبية الاسبان رواية رامون سيندير لانه كان ممنوعا خلال الفترة الفرانكوية التي اشتغل فيها الكاتب صحفيا في اليومية الليبرالية ( El Sol) ولم يكن الكاتب يخفي تعاطفه مع الفلاحين والعمال، من هنا كان بطل روايته يمثل الاثنين معا رغم ان الكاتب وضع نفسه في مامن من التيارات والحركات، معتمدا على فردانية حذرة تناضل في صفوف الفوضويين، في فترة كان فيها هؤلاءيواجهون قمع ديكتاتورية بريمو دي فيرا، لذلك جاءت الرواية معارضة للنزعة العسكراتية بكل نزوعاتها الوطنية المقنعة. وتبرز الفوضوية في الرواية من خلال التأكيد على الفردانية كقيمة جوهرية. وتذكرنا في انخراط الكاتب ضمن صفوف الجمهوريين خلال الحرب الاهلية بعمل أندري مالرو في (الشرط الانساني)و(الامل)...

ولان هذه الحرب انتهت نهاية سيئة بإطلاق النار وإعدام زوجته وإخوانه،فقد وجد الكاتب نفسه مواطنا أمريكيا يقيمثلاثين سنة بأمريكا متنقلا بين جامعاتها مدرسا للادب ليموت الكاتب وحيدا بسان دييكو سنة 1982، مستجيبا لعناده الاراكوني الرافض للعودة اسبانيا متجرعا هجرته حتى الثمالة..

ويعود أصل رواية (المعشوق) على كارثة وطنية اسباني، فقد استيقظت هذه الاخيرة في 22 يوليوز من سنة 1921 مندهشة من هزيمة جيوشها بالمغرب على يد عبد الكريم الخطابي إذ سقط ضحيتها أكثر من (12.000) جندي اسباني خلال بضعة أيام.

يستلهم الكاتب إذن أحداث انوال من خلال حرب المواقع والخنادق، الهجوم والدفاع بأحدث الأسلحة. فحرب العصابات التي تعتقد اسبانيا أنها مبدعتها في مواجهة نابليون كانت الاداة في مواجهتها بالمغرب. وهذه الاخطاء السياسية سيستفيد منها ليوطي في نبذ طريقة لاسبان في الاستعمار المغرب.

فحصار الاسبان حرمهم من الماء ودفعهم إلى امتصاص البطاطس وشرب ماء الكولونيا والمداد واخيرا بولهم الخاص بعد خلطه بالسكر،كما يروي ذلك شاهد من الناجين من بين الثلاثمائة المحاصرين في احد مواقع انوال، ومن بين القلة الناجية نصادف الحمقى والموتى من فرط الصبر على العطش. فلا غرابة ان ينتحر الجنرال سلفستر.. أمام مصير (3000) معتقل اسباني تفسخت جثثهم تحت شمس ظلوا تحتها طوال شهر بكامله، وكأن على اسبانيا ان تقوم بعملية منسقة مع فرنساطوال أربع سنوات حتى يضع المحاربون أسلحتهم جانبا وتنتهي الإهانة الاسبانية بافتداء مساجينهم عند المغرابة..

فرواية (المعشوق) ليست مجرد شهادة روائية عن حدث تاريخي من القرن العشرين ومن غير الاكيد أنها رواية تاريخية بالمعنى الكلاسيكي للنوع، بما أن المتخيل يتغلب فيها على الحدث الأساسي، الذي يطرح السؤال: هل كانت اسبانيا اكثر افريقية من جاراتها الأوربيات، ام كانت الاكثر أوربية من بين البلدان الإفريقية؟

وبالنسبة للكاتب رامون سيندير فالمغربي يعد أخا إفريقيا وتوأم اسبانيا البدائية والاخ الأصغر للإسباني المعاصر، وينتج هذا الإبهام في العلاقة بين الثقافتين هاجسا فعليا لخوان غويتسولو وجان جونيه...

فحين كتب رامون سيندير روايته عن مغرب (أنوال) بعد ثماني سنوات على نهاية الواقعة، لم يكن انشغاله قويا بالموضوع، وهو يقضي فترة الخدمة العسكرية بالمغرب، بعد انصرام سنة على تاريخ معركة انوال، لذلك فليس من المستغرب أن تعود الكثير من الاحداث إلى الحياة اليومية للجندي الاسباني المنخرط في تجربة شخصية تقدم نفسها في شكل مجموعة من الملاحظات المنظمة بصعوبة، وأحيانا ترد بشكل غير ادبي والرواية بذلك لا تقصد جمالية معينة ولا تدعي لنفسها غايات أدبية محددة..

فرامون سيندير يعتبر صحفيا يكتب روايته الاولى، فهو لا يميز بدون شك بين شكلين من الخطاب الخاضع لمنطق وقواعد مختلفة.وكيفما كان الحال فهو لم يكن شاهدا مباشرا على كارثة انوال بالنسبة للإسبان وعلى بيبليوغرافيا غزيرة للفترة، وبالنسبة للمعيش في جزء مهم من الرواية فهو ليس مجرد تقرير مدون في ملاحظات يريد رامون سنيدير منا الاعتقاد في واقعيته..

فالرواية عند الكاتب تمتلك تنظيما معقدا، تهيمن عليه تقنية سردية تدعى تقديم واقعيتها عبر ذاتيتها، التي تتعزز، وذلك عبر انتهاج حكيين بطريقة مشوشة أحيانا، وتكاد تضع القارئ من خلال ازدواجية "النظرة" الروائية وحضور شخصية ساردة هي شخصية السرجان انطونيو إلى جانب الشخصية الرئيسية لـ (فيانس).

ففي بداية الرواية يستدعي انطونيو – بضمير المتكلم – تجربته العسكرية والذكرى التي يحتفظ بها عن شخصية فيانس، دون أن يوجد أي مؤشر عن المكان او الفترة، لكن التحليل يسمح بالتعرف على سنة 1923 وتموقع الاسبان بالشمال المغربي، وإن الشخصية لم تعايش هزيمة انوال الاسبانية.

والرواية تندرج في إطار إعطاء الكلمة للجندي البسيط، ضدا في التقارير الرسمية عن الكارثة الاسبانية، لكن ذاتية رامون سيندير هي التي تعبر عن نفسها عبر شخصيتين، وهما وجهان لشخصيتين تكونان كائنا واحدا... لذلك كانت انوال بالنسبة لشخصية فيانس تمثل واترلو بالنسبة لفابريس ديل دونكو، أي تظاهرة غير مفهومة لضجة ونقمة... لان مايراه الجندي – في رأي الكاتب ارتورو باريا من حرب الريف التي شارك فيها – يمكن أن يماثل مايراه ممثل في فيلم يشارك فيه، إذ يطلب منه المخرج التموضع في مكان معين وان يقوم ببعض الحركات ويقول بعض الكلمات..

من ثم فالوعي الجزئي للبطل يظل غائما وغير قادر على إدارك كل الواقع او إعطائه معنى بل يشوهه في الغالب.. وفي جميع الحالات فرواية رامون سيندير لا تعطي الانطباع الشمولي المميز للادب الواقعي، والخلاصة الاكثر دلالة هو ان المحكي في الرواية التي تغرينا باعتبارها رواية تاريخية تخلو من المحطات التاريخية ولا تحدد أي تاريخ.. فهذا الاخير لا يحتل الدرجة الاولى في المغامرة الذاتية التي تبدو شيئا فشيئا عبارة عن مسودة ميتافيزيقية .. فما نعتقد انه موضوع المتخيل لا يعدو ظرفا ودخانا لحرب الريف، لحد ان رامون سيندير يعتبر ان الأشياء تتحول إلى اللاواقعي حين لا يستطيع العقل هضمها، فالواقعية الغزيرة تتحول إلى لاواقعية، إذ ان شعرية الواقع تتحول في الغالب إلى فانطاستيك، وإلا كيف نؤول الجاء البطل إلى الاختباء في بطن فرس ميت مثلا؟ فكارثة أنوال بالنسبة للإسبان بالإضافة إلى الحرب الأهلية لسنة 1936 تعدان أكثر من حدث تاريخي: إنهما تظاهرة قصوى لتكالب قوي الشر ضد ممثل للنوع البشري.

ويعتبر رامون سنيدير بان كل واحد من بين (200.000) جندي الذين عبروا المنطقة مابين 1920 و 1925 يمكنه أن يشهد عن وقع الكارثة، خاصة وان أغلب الجند كانوا من بين العمال والفلاحين الذين قدموا إلى المغرب دون إدراك شخصي للامور، في استجابة لحركة أثارها آخرون في إعجاب بالأبطال الذي نتطلع إلى صورهم على الجرائد التي تهيمن على الرأي العام.

من ثم كانت هذه الرواية بسيطة وحقيقية، ذلك انها تحاول حكاية التراجيديا المغربية كما شاهدها أي جندي إسباني، فإلى هؤلاء يهدي الماتب تسجيلاته التي تدون أصوات المشهد الافريقي كما اخترقت سمعه.. يفتح رامون سيندير روايته بنزعة فلسفية تختزل العسكراتية في عبثية أبدية، عبارة عن مشهد إذ "يوضع جراب الجندي فوق ظهره وهو يستبق كل الآفاق، لا نعرف أين نذهب، إننا لا نسير ربما إلى أي مكان، وربما كنا نتجه نحو نهاية العالم، ويمكن ان تكون مهمتنا منذ ولادتنا هي المشي إلى الأبد" (41).

ويظهر ان صخرة سيزيف تطارد المهمة العسكراتية:

" ثمانون كيلومتر من المشي، كان التعب قد أخذ مأخذه من الوجوه، وتعب المحكوم عليهم بالاشغال الشاقة واضح، اعمال دون جدوى: نحمل اليوم وهنا الصخرة التي علينا غدا نقلها إلى هناك، وكانت نظرات غالبيتنا دون التماع، وهي عند فيناس نظرة رمادية وبعيدة للاندهاش، ونحدس اكثر مما ندهش من رؤية ما يحيط بنا ، ومفاجأة أن نجد انفسنا في الحالة التي نوجد عليها، من حمى القلق من كون هذه الحياة التي بدانا نحياها ستختفي في يوم ما" (42/43)

وعندما يختفي الموقف الرافض للعسكراتية، فلكي يخلفه تمجيد للقذارة والوساخة: " الوساخة تستحقك لقد كنت اغتسل في الصباح بقهوة الفطور، فرؤوسنا يقولون لنا بان كل هذا لا اهمية له، فاحتماله بسرور يعني إظهار الروح العسكرية." (47)

فالتكيف مطلوب مع الطبيعة والحدة، كما أن العود على عوالم الحشرات والحيوانات أمر مرغوب: " .. فالبندقية متروكة على مرمى اليد حارقة والفأر – والئران ضخمة هنا بأرجل أرانب، فاقدة لزغبها في مواضيع منها – يظهر بين الجراب: " لا جديد" يقول له فيانس، لكن الفار لا يفر" (47)

وتظل الشجاعة هي إحلال القلب محل البطن. وحتى في هذه الحالة لا بد من اعتبارات فالجندي المغربي في الجيش الاسباني لا يخضع لهذه المقاييس، بل لاعتباطية خاصة: "آه أيها الرفيق، يوضح الجندي المغربي، انا اخوض الحرب كفار، لكن الحكومة الاسبانية ترقي الكابورال علي، بينما لم يخص الكابورال علي أبدا العمليات، وانا المصاب بثلاث وعشرين إصابة لا أحصل شيئا فيما قبل كنت أخوض الحرب برأس مرتفع، لكنني الآن كفار وراء صخرة، وراء صخرة، وغذا لم تكن هناك صخرة، فإنني لا اتحرك" (51)

أما الجندي الاسباني فليست وضعيته بأحسن من المغربي:" كان هناك جنديان يفلسفان وضعهما: "ماذا يمكن انتظاره من حك بطن بلد كهذا، يقول الواحد للآخر، بلد لا يعرف طيور العندليب" (61).

وفي حوار شبه صليبي وساخر من الكنيسة والسلطة تظهر صورة المغرب جد باهتة:

" – بالطبع لقد انقذوا أرواحكم

عليكم قتل أهل البلد

هون عليك، كان ذلك للدفاع عن الوطن

وهذا البلد هل هو وطننا أم وطنهم؟

إنه بالطبع وطنهم، لكن كل بلد يخفق فيه القلب المسيحي هو وطن الله وعلينا الدفاع عنه ضد الكفار".

كانت هنالك وقفة، لكن الجندي أضاف:

آه، إذن فالبابا هو الذي امر بهاته الحرب

لا، انه الملك الاسباني

ومن يطع الملك، مىله السماء؟

نعم، لان الملك يتمتع برضى إلهي.

لانه يمثل سلطة الله في وطننا." (73)

وباسم هذه القيم العقائدية والسياسية، تتحول كينونة الحشرات والحيوانات إلى كيمياء حيوية للجندي: "أقول لك بان أكل فأر او ابتلاع بعض الذباب لا اهمية له بالنسبة للصحة، ففي كل يوم وفي وقت شرب القهوة تكون هناك ذبابتان او ثلاث تزعج أقدامي في ذهابها ورواحها متنقلة بيني وآنية طبخي، وإذا ما ظلوا هنا خلال طردهم في المرة الثالثة، فإنني أترصدها ودون إنذار (بام) أضربها بمعلقة واغرقها في القهوة ، غير مبال، فكل شيء كيميائي، فلا يوجد شيء في هذه الحشرات لا يوجد تحت جلدنا وفي عظامنا " (76).

فمواجهة الحشرات أهون من مواجهة الموت والحيوانات المفترسة أو الجنون: "هنا لا يمكننا نعت شخص ما بانه معتوه، لاننا معتوهون جميعا. لكن يجب رؤيتنا في محيطنا فكل واحد هو نفسه. فهل في إمكانك دفن جثة في بيتكن هكذا؟

فلا انت ولا غيرك بقادر على ذلك، لان الجثة مقدسة. غير اننا هنا وارينا التراب لرابع مرة جنديا مغربيا مسكينا، وغذا كنت في مراقبة الغد صباحا، سترى الجثث على حافة الطريق عبارة عن قطع، فمن يدفنها؟ سنقول الثعالب.

طُز، ساقول انا، لا أريد أن أقول أكثر من هذا، دعوني." (77)

وتهتز تقة الاسباني في قادته: لاول مرة خلال وجوده بالمغرب، يفقد فانس الثقة، فقد شاهد إخفاق الجنرال (س) مرتين، فالثوار يمتلكون فرسانا جيدين ورشاشات فعالة، وقنابل أحسن مما نمتلكه، لانها تحتوي على الأقل على ثلاثة ليفرات من المسامير ورصاصات مكسرة، استحوذوا عليها خلال الحملة، لم يعد الامر كاسابق، كل شيء ينطلق بفقد هدفه، لقد أسقطوا البارحة طائرة وجالوا بجثة الربان مصلوبا على خشب، ولم يحصل الجنرال (س) على قوات جديدة (...)

وصلت الكتائب الاولى من الغربان من شُعَبْ أنوال، أثارتها ضجة المدافع، واصطفت في كل مدافعين علة الأرض، وبقد ما كانت تتغدى على لحم الجنود، يظهر انها كانت تعرف فن العسكراتية. كانت الغربان سمينة لامعة تصدر أصوات حيوانات خطيرة" (120) وينطلق السؤال الوجودي:

"قال أحدهم وهو يبسط غطاءه على الأرض:" ماذا نصنع هنا؟ هل ندافع عن اسبانيا ؟" (121) أما وعي الىخر، فرى أن: "هناك ...كل ما نراه هو بلد المغربة والمتوحشين...من هنا تقع دريوش، فالشمس تشرق دائما على اليمين وتغرب يسارا، وإذا اتبعت هذه القاعدة، عليك أن تتجه طولا نحو نهاية النهاية إلى مليلية." (122)

ويظهر أن المزج بين خطاب السيرة الذاتية والتدوين التاريخي يجعل الروائي الاسباني موزعا في خطاب روائي واحد بين طريقتين توليديتين تجمعات بين الحدث والمأساة المكونين للحمة السردية الروائية:

" ثلاثة أيام من العطش القاتل، لازاد لا كذب، لا وجود للماء وهم يعلون عن ذلك ببساطة وببلاهة كإعلان حكم بالاعدام(...)يجب الطاعة موتوا أولا ثم اكتبوا تقريرا "تحريريا" للاحتجاج، فالزاد متوفر، لكن من البلادة الأكل وابتلاع أشياء قوية, إن الافتقاد هو افتقاد الماء الماء الماء. وبدونه لا يهم الاكل او عدمه. النوم أو اليقظة..." (133) فرامون سنيدير يطرح وجوده الكائن ومحدودية فعله القتالي وهو يفتقد أحد عناصر الحياة، التي تمنعه من استعمال آلة الدمار التوسعية، فمن سينصر على الآخر، هل الإنسان أو سلاحه؟ فالمنطق ينسحب أمام الحاجة الطبيعية:" كان خزان الزيت يحتوي على عشرين لترا على الأق، وقد ساعد على بقاء مئتي جندي على حافة الهذيان، لمدة أربع وعشرين ساعة إضافية من العطش"(134)

إذا لم يتوان الاسبان عن شرب محركات السيارات لتحريك سواكن الانسان الذي أخذ ينزع إلى حيوانيته الأصلية:

"فبعض الجند كانوا قبل النوم على الأرض يحفرون حفرة صغيرة بمقدمة بنادقهم لحد عثورهم على التربة الباردة، وهنا يضعون جبينهم على التراب، ونكاد نقول بانهم يحفرون قبورهم الخاصة" (135)

وتتحول الهيمنة إلى مأساوية توظف فيها انا الآخر الاسباني لرسم معالم كارثة تخاذلت الصحافة الاسبانية عن فضحها، وتكفلت الرواية بذلك:

" أيها الاله الطيب ياطيب الالهة، ماذا صنععتا حتى نستحق وضعنا في هذه الورطة؟ ففي إسبانيا لا أحد يعرف ماذا يحدث هنا، رغم انه من آن لآخر كانت الجرائد تتحدث لمعاكسة الحكومة، عن "جنودنا. الذين يموتون بإفريقيا" لكن الشعب والوزراء تعودوا على ذلك. طيب، وماذا بعد ذلك؟ كل هذا بعيد وفي كل الحالات فالأمر يتعلق بالدفاع عن الوطن، قل لي انت: هل تعرف ما هو الوطن؟" (145) ويتحول الخطاب الروائي إلى خطاب فلسفي وسياسي عن معنى وطن يحفر وطنيته في وطن آخر، في استعمار مقنع بالمهانة:

" هل أنت عطشان؟ وأضاف بعناد: انا لا، لقد شربت البول. اعتقد أن السارجانات والضباط يشربونه مخلوطا بالسكر..." (145)

فالمشروب الجديد هو أقسى عقاب طبيعي ذاتي واجهه الاسبان في معركة خاسرة من البداية لا يدينه الانا المغربي بل الآخر الاسباني في شبه وعي ممكن بلا جدوى البطولة:

"نمثل بالنسبة للصحافة وفي المدارس ما يطلقون عليهم الأبطال. وبالطبع فإن ترى فوق حذائك مخ صديق، وغن تكون ملطخا بالقمل وإن تشرب البول، فهذا ما يعنيه البطل أنني بطل، البطل، وبقدر ما تتكرر الكلمة تفقد معناها.."(163)

فالبطولة ليست بطولة المحارب على الطريقة الطاوية، بل هي حرب يخوضها الصغار وينتصر فيها كبار الجنرالات، وحتى هؤلاء تحولوا إلى خرفان ينتحر قائدهم سلفستر ويسلم نافارو نفسه معلنا الهزيمة...

وتتحول الحرب إلى صراع بين حضارة غربية وحضارة عربية يدينها الروائي رامون سيندير:

" حضارة الغرب. قطار المنجم، السوسيولوجية المسيحية، والجند خلف الجميع، بحياة كلها شباب وقوة. تكللها ثلاث كلمات على حافة الشفاه: الوطن، البطولة، التضحية..." (209)

وهنا يتحول وعي الآخر الغربي إلى إدانة للغرب وقيمه العقائدية والوطنية التي تمارس استغفالا تاريخيا مشينا تفضحه فردا نية وضمير الروائي:

"يومان وليلتات من المشي، دون أكل، غير جرعات جعة، قدمها إليه الضابط جعلته يفقد وعي الخطر، ومعنى مايحيط به، وعذابات الأموات. أحس في العمق بنهاية العبودية، إنني اتمتع الىن بحرية متوحشة.. أكثر قسوة من أي درس، غنها حرية أشياء غير عضوية، من الحجر والشجر، ضخمة وغير مفيدة. وتعود كل تاملاتها إلى فراغ يشبه ضربات رأس على تابوت" (209)

فالقيم الزائفة التي تحول الانسان إلى حيوان لا تعد من الوطنية بأي حال من الاحوال، من هنا تراوح الرواية بين الاطروحية والفوضوية:

"ما هو الواجب الوطني للبغال والجياد؟ من ثم فكر فيانس فيما بعد: بان الناس أشبه بالبغال التي تمارس الواجبات المدنية دون الحقوق، ولكنه الواجب المدني في الموت. فالدولة تسمح لنا بالموت حتى نضمن الحق المدني لزينة من الأشخاص الذين يمثلون التاريخ والثقافة والإزدهار للبلد، لان البلد يبدأ وينتهي معهم.." (211)

فالنزعة الفوضوية بالمعنى الباكونيني هي ما يوظفها المتخيل الاسباني في غياب المتخيل المغربي، في إذانة صارخة للشرط الانساني المفتقد:

"أخذ فيانس يحس باحتكاك لزج وبارد على يديه ورجليه، لقد كان داخل بطن جثة فرس حيث كانت فتحة بين ضلعين من أضلاعه تسمح له بالملاحظة والتنفس. كان الامر يشبه مذبحة برائحتها، بقدر ما ترفع الشمس، كلنت الرائحة تزداد قوة نتانة تزكم الانف. لكن الحرارة لم تكن مفرطة، فالاحتكاك بالجثة كان باردا..." (213)ويحقق الروائي اندماجا بين بطله والحيوانية كملجأ ونهاية للاحلام والبشرية لأن الخطأ:

"ليست خطيئة أحد معين، ولا شيء حاصل، وأضاف بعيون ضائعة في الأفق: لقد كانت الانسانية هكذا، اتعرف لماذا؟ إنني معمر، أتي سنة 1860 من الجهة الاخرى للبلد لالمغربي، من تطوان...

(...) اما أنتم أيها الشباب، فوحدكم من يمتلك وعيا نقيا ويعتد في العدالة والخير..." (219) تدين النزعة الفوضوية الباكونينية مفاهيم العدالة والمساواة والحرية الطبقية بل والجيلية والحضارية، التي تطرح شؤال الهوية والتعاطف مع المغاربة:

" لا أعرف فيما إذا كنت اسبانيا اولا؟ ولكنني مع المغاربة، كل هذا صنعه شباب المنطقة هنا، لان كبار السن يؤدون التحية العسكرية للكابرانات الاسبان، وعلى العكس من ذلك فأنتم شباب اسبانيا تخضعون للاوامر، وتمنحون أحسن ما عندكم لأشياء متجاوزة غير ذات فائدة وسيءة" (220)

فعدالة القضية، قضية الآخر المغربي تجعل الأنا الاسباني مذنبا في حق الأجيال والوعي الزائف عند المجندين المغربة في الجيش الاسباني، ولا منقد من كل ذلك سوى الحب الشقي للمعشوق والعاشق المغربي:

"ما هذا؟

إنها جمجمة بلون فضي، تحمل ذكرى شخص عزيز. أجاب العجوز

هل هو رجل أم امراة؟

امرأة، إنها زوجتي

وهل ماتت

(...) ألا ترى ذلك، لقد ماتت؟ نعم ماتت، كانت من تطوان ، وقتلها أهلها لانها فرت معي، لذلك كان علي كذلك أن أعود هنا، فرأس الميت هذا هو رأسها" (223) وعندما تتحول المأساة إلى ذكرى عزيزة تخفف من مآسي أخرى أشد وأقوى قد تنسى أهوال الحرب ومفهومها المؤسساتي:

"إنها الحرب. إنها الحرب بعلمها الصغير المدرسي ، والخطوات الملكية، والتاريخ والدفاع الوطني وخطاب برلماني الأوبريت الناجحة. وكل ما تحيط به النياشين يقود إلة هذا...

وإذا كان هذا هو الوطن، فالحرب هي هذا الهذا: الرجل الذي يهرب بين الجثث المسجاة، بأقدامها ورؤوسها التي يجللها الطين والحجارة..

(..) على بعد خمسين مترا كانت الفأس المتوقفة في الحلكة تصدر أصوات الرعل ملطخة بالحمرة الحادة، لكنها كانت أكثر إنسانية من الناس" (227)

فالحرب هي حرب قيم لا الدوس عليها، وما يفضح الوعي الجماعي الزائف هو الوعي الفردي والفوضوي:

"أي قدر مجهول ينتظرني؟ إذا ما توفقت في إنقاد نفسي، ولكنني لست من سينقذ بل هو حيوان مسكين، متعب ووسخ، خبت روحه،فالأكثر حقيقية في بقي هنالك في مواجهة السماء، ميتا وعفنا..." (229)

ما فائدة انقاد جسد من افناء بعد أن قتلت الروح والحقيقة والانسان؟

وتتداخل المصالح الآنية لرسم معالم حيوانية بلغت من التدني منتهاه:

"العرب كاليهود لا يأكلون الخنزير: لكنهم يطعمونه الىن باللحم البشري، حتى يبيعونه فيما بعد لمقتصد الجيش أو للثكنات مباشرة..." (236)

فاليوم يطغى على التاريخي ويحلل قيمه الزائفة:

" لم يكن فيانس يكره أحدا لا المغاربة ولا الاسبان الذين كانوا السبب في هذه الكارثة" (238) ويصبح الاحتكام إلى إلى الذات محكا لتمييز الهويات والوطنيات:

" لا حظت عند المغربة تعاونا، فلا توجد كل هذه النياشين وكل هذه المراتبيات. كلهم رجال، وانا رجل من بين الرجال" (274)

فالعصامية وعدالة القضية تتغلبان على منطق المؤسساتية العسكرية وهذا ما جعل من حرب الريف وانتصار انوال موضوعا للرواية الاسبانية تطرح نفسها بديلا عن ما غيبه المتخيل الادبي واحتكره السياسي.

فصوره المغربي في رواية رامون سيندير تمثل البطولة الحقيقية، وإن كانت لا تخلو من صور خاطئة ومتحاملة أو تشويهية:

"ظهر الاهالي بشكل واضح، محتلين السهل، كان الفرسان يلوحون ببناديقهم في السماء ويستعيدونها وهم يتقافزون على فرسانهم. كنا نسمعهم يتكلمون بالعربية قريبا منا، حبس فياني أنفاسه قلقا. كان مغربيان في سن الأرعين تقريبا رافعين بندقيتيهما يتحركان بسرعة ويد أحدهما تشد على الآخر، وكانا كذلك لا لتقدير متبادل، ولكن حتى يتأكد بان أي أحد منهما لن يسرقه الىخر...

(...) اخرج أحدهما من شكارته الجلدية، معجون أسنان، وأفرغ منه قدرا على قطعة خبز وأخذ في الأكل بنهم..." (191)

ولا تقتصر تصورات المغربي على الاستعراضية والبدائية، بل تتعداها إلى قسوة بهيمية، يصبح فيها الانسان الاسباني مجرد جثة لتصيد الحاجيات الظرفية:

"سمع وراءه تأوها والضربات الحادة لشاقور يقطع شيئا لينا وجافا في نفس الآن: كان ذلك عبارة عن ساقي جريح، بغرض الاستيلاء على أحذيته... كان قد شاهد ذلك العمل مع ضابط ميت، حين نزل من أنوال" (199)

ويظهر ان تعاطف رامون سيندير تفضحه خلفيات ثقافية لو يستطع التخلص منها، وتمثل نوعا من رد الفعل الذاتي في مواجهة الأنا المجهول:

"بدا المغلابة يتحركون تحت الشمس كالقمل على قميص" (212)

وتصوير قسوة المغاربة لا تقتصر على الانسان – العدو، بل تتعداه إلى استعادة بقايا لا يحتاجها الحيوان وتستجيب لحاجيات ظرفية:

"آه، أيها الصديق، أاهدأ، لقد نزعت حدائد إطلاق الجياد لبيعها في السوق.

آملا في الحصول على الأربعين سنتيما التي تنقضي لشراء حاجياتي" (216)

وكما تنزع حدائد الجياد تنزع الاسنان الذهبية للاموات الاسبان بطريقة تبرز بدائية الأنا:

"لقد كسر السكان الأصليون فكيه بضربات الحجر حتى ينزعوا أسنانه الذهبية" (249)

ويبدو ان صوة الآخر والأنا تسيطر على علاقة القوى بين الإثنين:

" أيها الكابران، إننا الأقوياء، ونتوفر على أسلحة جيدة؟ لماذا سيتفوق علينا المقملون هؤلاء؟ انا أعرف لماذا، لانهم على حق ولهذا وزنه. ستضم إليهم جميعا للذهاب إلى مليلية " (254)

وهي علاقات لا تخفي تعاطفها ولا ولاءها الساخر باسبانيا المنهزمة:

" عاشت اسبانيا !

كان فيانس يرى السهل مليئا بالاموات. عشرة آلاف قتيل، وألفان إضافيان بجبل العروي. كانت عيون خمسين ضابطا تجتم عليه، في انتظار جوابه. وحين يستفيقون يسارع فيانس إلى هتاف: عاشت اسبانيا" (262)

فالسخرية من اسبانيا وخطابها المؤسساتي العسكراتي واضح في الرواية، ويتعزز بسخرية من ابطل الروائي ذاته، والذي يفرح بنجاته وحلم العودة إلى قريته باسبانيا، لكنها قرية ستغطيها مياه السد كما تغطي رفات أهلها ورفات أهل البطل. فهل كان يدافع عن الوطن حقا؟ إنها القطيعة مع عالمين (المغرب/ اسبانيا):

"اندثرت قرية أروربييس تحت السد الذي غطاها. كانت قبور اهله قد اختفت بدورها تحت الماء الوسخ: كل هذا انمحى، واغمي عليه إلى الأبد. فيما قبل وحتى في أسوأ لحظات الحرب، كان يحتفظ بقاعدة معنوية قوية: طفولته وقريته وحقول الأهل، والازقة، كان أطفال الأمس قد أصبحوا رجالا. اما الآن فيمتلكه شعور بأنه يمشي فوق السحاب... لقد بدأت حياته في اللانهاية، دون قاعدة لوضع رجليه ولقياس المسافة..." (316)

ويتضح بأن البطل يفتقد الجدور، وحتى حين يلتجئ إلى القرية المجاورة لقريته، فهو سيتعرض للسخرية من النياشين والاوسمة التي حصلها خلال الحرب:

" دخلت المغنية إلى الحلبة تعلق عليها صليب استحقاقه، وأخذت تغني أغنية شعبية تتكلم عن الجندي الاعمى الذي تستقيله خطيبته بالاحضان. كانت المغنية تعلق فوق ثديها الأيسر وعلى قميصها وسام فيانس، وحين تتراقص على إيقاع الاغنية المبالغ فيها، كان الوسام يهتز في نفس الوقت، وكانت اللازمة تقول:

إن النساء من أعماق قلوبهن

وموسيقى النصر

حين ترى مرور الجند

تردد دائما: عاشت اسبانيا ! وكانت تلح وتردد ثلاث مرات (عاشت اسبانيا بطريقة وقحة تحرك فيها ردفيها". (361)

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008