نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

هوس " شفرة دافنشي" وتوجس "ملائكة وشياطين"
لــــدان بــــراون
 


إذا كانت (الأيات الشيطانية) لسلمان رشدي قد أثارت خلال صدورها زوبعة في فنجان الخمينية سنة 1997، فقد كان علينا انتظار ما ينيف عن العقد، لتظهر علينا آيات شيطانية كنسية هذه المرة، تحت عنوان (شفرة دافنشي) (2004) و (ملائكة وشياطين) (2005) بعشرين مليون نسخة في اكثر من لغة أوربية بالنسبة للرواية الأولى، وما يقاربها بالنسبة للرواية الثانية.
فهل تزعزعت العقيدة المسيحية قيد أنملة؟ لقد لاقى الكاتب ترحيبا خاصا، وكان الرد بالكتابة والحوار لا بالإفتاء... فنحن امام بحث توثيقي يراوح بين النزعة العقائدية والهاجس العلمي وجرائم القتل والانتقام، بحثا عن الحلقة المفقودة في التاريخ الأوربي والامريكي الذي تجاوز الصراع بما لقيصر وما لله، بإنجاز تركيبة صراع بشري على التقدم...
لقد ساعد ولع الكاتب بتاريخ ولع الكاتب بتاريخ الفن والإلمام بالشفرات السرية والألغاز والرموز، على اقتحام عوالم الكنسية والجماعات الخارجة عنها. ففي (شفرة دافنشي دان براون من حفريات مجتمع سري لفريق (سيون) الذي تأسس على انقاض كاثوليكية متشددة للقرن الحادي عشر، بعد الحرب الصليبية الاولى بتوظيف الوثائقية والألغاز، لتقديم اكتشاف ملف سري سنة 1975 بمكتبة وطنية يحمل أسماء أعضاء جماعة سرية كانت وراء بناء مركزها بنيويورك بما يقارب الخمسين مليون دولار، مما يجعل الجماعة السرية الدينية لسيون في مركز قوة لاقتفاء أثر مفتاح، قيل إنه يوجد في كنيسة (سان سوبليس) بفرنسا وأن بإمكان مدير متحف اللوفر المساعدة على فك ألغازه، وهو العارف بمكونات الهرم الزجاجي للوفر بقطع ( 666) كان الرئيس (ميتران) قد امر بتركيبها بمواصفات اعتبرت شيطانية...
وبما ان المنظمة السرية الدينية تنتشر كأخطبوط في كل أنحاء العالم: داخل الجامعات والمراكز والكنائس، فإنها لم تنج من فضائح مافيا المخدرات والشذوذ والارتشاء. وهي التي دفعت مليون دولار إلى بنك الاعمال الدينية للفاتيكان، لغض الطرف عن تصرفات المنظمة القرون وسطوية، نحو المرأة والطقوس المسيحية...
ويبدو أن السام دافنشي المعروف بشذوذه كان أحد أعضائها بفنه وسحره الأسود، إذ رغم ما تجسده مشاهد لوحاته من عناصر دينية فإنه كان يرمز إلى علامات خفية لا علاقة لها بالمسيحية، لانها تترجم معتقدات شخصية، كما يدل عليها مؤلف (الحياة السرية لليوناردو دافنشي: الرمز الجاهلي في الفن المسيحي)، كما انتسي (نيوتن) و( ف. هيجو) إلى الجماعة السرية... وفي ذلك يفضح دان براون سلوك الراهب (سيلاس)، كمجرم قتل والده قبل ان يقتل مدير متحف اللوفر وزملاءه، لامتناعهم عن كشف سر المفتاح موضوع بحث الجماعة السرية. فالراهب مجرد شبح بعيون شيطان، ينجز المهام القذرة للجماعة، ولما كانت تطلق عليه الكنيسة (مطرقة الساحرات) التي استهدفت النساء بتعديبهن، على غرار محاكم التفتيشز غذ كانت الكنيسة تطلق اسم السارحات على كل النساء (العالمات والمتصوفات والراهبات والبوهيميات وعاشقات الطبيعة) وكل اللواتي يشتبهن بالاشتغال بالعالم الطبيعي طوال ثلاثة قرون، انتهت بسقوط خمسة ملايين امرأة أحرقتها الكنيسة...
من ثم، يعتبر دان براون أن الكنيسة نجحت في أكبر عملية تزييف عبر تاريخ البشرية، وان المسيح لم يكن فقط متزوجا من ماري مادلين، بل كان أبا وكانت ماري – العذراء – الإناء المقدس وحاملة ثمرة الارتباط الملكي...
فما هو التارخ إذا لم يكن خرافة، يتفق عليها الجميع، وقد كان هذا هو سر ملاحقة أكياس المخطوطات التي اكتشفت في قبر سالومون لتنقل من القدس إلى اوربا. وتدفن في كنيسة لا يعرف مفاتيحها إلا الأقلية وللتخفيفغ من حدة الألغاز يلجأ الروائي إلى الشعر لإبراز سرية متخفية في الأدب لكشف الأبعاد الوجدانية لفاكهة حواء، ظلت موضوع غضب إلهي وخطيئة أصلية عدت رمزا للسقوط قادت إلى كرة توجد على قبر نيوتن رمزا للتفاحة التي سقطت على رأس العالم، لتلهمه جاذبية علم، اعتمدها ملوك غبرانيون منذ دافيد وسالومون، لان ما كان موزعا على شكل مثلثين (...) ما هما في الحقيقة إلا نجمة داوود (...) التي ترمز إلى الاتحاد التام بين الرجل والمرأة، تمجيدا لقداسة (ياهفي) و(سكينة) عند اليهود، تعبيرا عن حاخامية تقتحم الكنسية.
الجماعة عبر القرون تترصد الكنيسة بعد أن تبنتها فرقة ما سونية بلغ أعضاؤها خمسة ملايين عضو في العالم نصفهم بامريكا، ومليون باوربا، وكان من بينهم (جورج واشنطن) و (بنجامان فرانكلين) رئيسا الولايات المتحدة الامريكية...
من ثم، فقد وجد الفاتكان نفسه مهددا بتفجير بنايته، لذلك سارع أستاذ الايقونات الدينية وعالمة سويسرية إلى ملاحقة سارق المادة المضادة الفيزيائية من مركز البحوث الذرية بجنيف والموضوعة بالفاتكان، ليلة انتخاب الباب وتجمع الكاردينلات المائة والخمسين، وكان الانتقام المبيت يستهدف اختطاف أربعة كارينالات وتفجير البناية الكنسية انتقاما لحدث تاريخي.
ويبدو ان الصراع بين العلم والعقيدة في عصر الشك والتطرف سيساعد دان براون على حبك ملاحقات وأسرار تعود على قرون سابقة وبتقنيات حديثة، تكشف الصراع بين عالمين يبحثان عن المصالحة بعنف يستدعي التاريخ المظلم لكنيسة لم تدخر جهدا للإجهاز على معارضيها قتلا وتشريدا، اوجد جماعات حالية بامريكا لا تسمح بتدريس نظرية داروين، واخرى تعارض التقدم العلمي في العالم، كما اوجد خرافة الراهبة فرانسيسكا التي تعتبر قطرات المطر دموع ملائكة تسقط لغسل خطايا المذنبين...
وهنا تكشف (ملائكة وشياطين) عن الكيفية التي أصدر ضدها البابا (بيو الحادي عشر) سنة 1857 قراره بمنع ظهور الاعضاء الجنسية للتماثل داخل الفاتكان، والتي وضعت عليها اوراق توت من الجبص لإخفاء العيب الجنسي الذي ألحق بها...
وغذا كانت الرواية تراهن على متخيلها في تقديم خلل القرون، فإنها جعلت النهاية السعيدةبغرام (لانكدون) الأستاذ الامركي بالسويسرية لبنة العالم (ليوناردوفيترا)، حيث ينتهي بهما المطاف إلى لقاء حميمي يذكر بالرويات العاطفية التي تعود بالأبطال إلى واقع شعوري غرامي يعد لحمة الحقيقة الجسدية التي تلغي المزايدات على الواقع، بعيدا عن عوالم الشياطين والملائكة، لان عالم البشر يمتلك منطقة الإنساني، وبذلك يجد القارئ في الرواية تنوعا لمتعة داخل رواية ترواح بين الألغاز التاريخية والصراع الديني والبحث البوليسي وكشف الأسرار الكنسية... في أيات شيطانية روائية، لاقت رواجها الجماهيري لا في العالم المسيحي وحده، بل في العالم الاسلامي، فقد ترجمت روايات دان براون إلى العربية، لتصدر في (الدار العربية للعلوم) بيروت عبر ترجمة أربع روايت للكاتب دفعة واحدةن وهي:
- الحصن الرقمي
- ملائكة وشياطين
- حقيقة الخديعة
- شيفرة دافنشي
وكلها أعمال جعلت من الاعمال الفنية والضرائح والانفاق والملامح الهندسية المعتمدة فيها حقائق موجودة في روما، وهي واقعية وحقيقية يعطي الكاتب خرائطها لتأكيد أقواله... فهل هي واقعية جديدة تلك التي تخلف الواقعية السحرية لرواية أمريكا اللاتينية؟
وهل صدورعشرين مليون نسخة في خمسين لغة دلالة على حياة الرواية، أم خدمة لسوق استهلاكية؟
إن ظاهرة روايات بوتر ودان براون لتدفع إلى أكثر من تساؤل عن المنحى الجديد للمتخيل اليوم !
فأين حظ العرب من كل ذلك في هذا المنعطف؟

سعيد علوش
حريدة الاتحاد الاشتراكي
الجمعة 14 أكتوبر 2005 العدد 8067
 

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008