نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

حصــــــاد موســــم إبــــداع

دور النشــــــر الفرنسيـــة

د. سعيد علـوش

 

جرت عادة دور النشر الفرنسية أن تتبارى في إصدار جديدها خلال كل موسم يبدأ مع شهر سبتمبر من كل سنة، لتحوز فيه الرواية السبق بما ينيف عن الارعمائة رواية فرنسية ومترجمة عن اللغات العالمية.

وقد لفت انتباهنا محوران، هما:

روايات تبحث عن وحدتها في تنوع لغاتها

مغاربيون في مهب الرياح الفرانكوفونية

ويحتل قصب السبق في المحور الاول ميشال هولبيك الفرنسي والايرلندي ماك كان وجيم هاريون من ماوراء الاطلسي وروايات اخرى للورانس كوسي وفرانسوا سيليز ومارك دوكان واريك هولدير ، وتغيب الاسماء الكبرى – باستثناء فيليب سوليرس وعودة خجولة لفرانسواساغان...

لكن اللافت في هذا الموسم هو سيطرة جيل جديد على المحور الفرانكوفوني من خلال اعمال الجزائريين : مليكة مقدم وانور بنمالك وياسمينة خضرا والمغربيين ادريس الشرايبي ورشيد او ويمثل هذا الأخير حالة شاذة ونغمة نشاز بالنسبة لمصطفى الهاشمي وترجمتي فدوى طوقان وفرج بيرق دار السوري مع اللعبي..

يتصدر مشال هوليك صاحب (الجزئيات الاولية) الموسم بروايته ومعاركه الأدبية، فمن سخرية الأقدار ان تجعل ما بعد الحداثة من هذا الأبعيني المنهك موضوعا، مع انه يعد مخالف مطلقا لها، إذ انه يهاجم الليبرالية دون وضعها في الحدود السياسية المعرفة، لانه يذهب إلى الحد الأقصى من أفكاره، مادام يفضل التغني بالمرأة الأبدية، بدل تلك التي تسعى إلى استيلاد طفلها دون اعتراف بأبوة والده.

ويبدو الروائي ميشال هولبيك غير منظم في إطار الأفكار السائدة لعصره، الي يفضل عوالم التشويش. لهذا فلا غرابة أن يحتفي به متمرا على الشللية، وذلك بدخوله فضاء الادب كما يدخل حربا، وهو ما يجعل منه كاتبا منتظرا في ىخر قرننا، عبر رجعيته وفضائحيته، التي تضخ الاحمرار في وجوه المحافظين والامتقاع في وجوه الطليعيين.

ذلك أننا لم نقف على ظاهرة ميشال هولبيك. منذ اعمال باربي دور فيليلي. ذلك انه متشائم بشكل ميؤوس منه حتى النخاع، لانه تعب من كل هؤلاء المعجبين ببودلير وليونار كوهين، معلنا حداده على الانسان وىخر اوهامه. ذلك ان التطلع إلى وجه ميشال هولبيك يعطينا الانطباع انه وجه راجع لتوه من جنازة، هي بالتأكيد جنازته الشخصية، حيث لا يتحمس الكاتب الا لكي يتحدث عن الخمسينيات والألبومات وحكايات القصص المصورة، التي يهوي جمه سلاسلها. في الحين الذي تثير احداث ماي 68 تقززه بأفكارها.

والمفارقة ان الكاتب يقف ضد الليبرالية والإباحية كذلك. فهو يشعر انه دون سلطة في عالم تتحول فيه الامور إلى الأسوإن مما يدفع الروائي إلى التأسف على آثار العالم المعاصر: من تقهقر للفضاء الاجتماعي والأسري وغياب الأخلاق وسيطرة ماشوزية النخبة الثقافية: معتبرا اننا نحو الخراب، منصرفين بصورة خاطئة عن العالم. لذلك فالروائي لا يعبأ بالتسامح ولا بالمحبة كما يعود من سفره على نيويورك مستفز الشعور من مدينة غير جميلة، توحي بالخوف دائما، مفضلا عنها فضاءات بيرمانيا او تايلاندا رغم عدم ديموقراطية نظامها، مع اعترافه بالتعاطف مع الشيوعية.

لقد منحه اجداده الاحترام، ومع ذلك فالنظام لا يستوي مع امثاله، فهو يسبح في نوع من المفارقة كما يسبح الذباب في الخل. وفوق كل ذلك غهو عاطفي تهز مشاعره الطيبوبة.

فالروائي متشبع بمعاشرة شوبنها واكتشاف اوجست كونت في أفكار الحمعية، لان التناقض هو ديدنه، كلما عبر بزقاق سكناه (بمسيولوبرانس) الباريزي، لانه دائم التامل، سيحضر الله دائما، لكي يتأسف على عدم إيمانه، مع اعتباره ضرورة هذا الإيمان، إذ كيف يمكن لمجتمع أن يعيش بدون إله. لكن الروائي يعتبر اعتقاده في الله قد يجعل منه شخصية عادية ومنضبطة ومنصفة.

فهذا الروائي المتانق، والذي يترك سيجارته تتزحلق بين البنصر والوسطى، يعتبر قنبلة موقوتة، ابلة للتفجير في كل وقت، فروايته بمثابة علبة تلفزيون تنحبس وسط قاعة لكي يعلن عن نهاية الفرجة.

فرواية (الجزئيات الاولية) (1998) هي ثاني رواية لميشال هويلبك، والتي تقدم نفسها – عبر هواتف وهمسات – كحدث الموسم. فبغمكاننا التخوف منها بافساد ذوقنا لو كانت الرواية مجرد نص عادي، لكنها نص جيد، يتصدر قمة موجة موسم الاصدارات. ذلك انها مكتوبة بوضوح ودون بهرجة. إذ أن شكل سردها يضعنا ضمن تيار الطبيعة الجديدة. فالصور البيوغرافية للبطلين ميشال وبرونو تستدعي جدار سارتر وأشياء بيرس، كما تستلهم التطور العلمي للأخوين هيكسلي والذي لاي لبث ان يتحول إلى بيولوجية ذرية، يصعب تتبعها عبر آلة انسانية، ذلك هو الفضاء الجمالي والثقافي للرواية. فبعد ثلاثمائة صفحة إلى ذلك الحين تظل في حالة ميوعة تحت درجة الذوبان، حيث تتضح لتأخذ مهناها، فلا يوجد مثال لانسان يتوفر على سلطة دون استعمالها: من تقدم بيولوجي وجينالوجيا تجعله قادرا على صناعة كائن جديد، لن يعود الجنس بالنسبة له محركا للانتاج، لان الانتاج أصبح رهين المختبرات. فآدم المستقبل سيتجاوز المآسي الميتافيزيقية والعقائدية والجنسية، حيث ستنتهي وتضمحل شجرة معرفة الخير والشر، رغم المقاومة على الجبهة العقائدية.

فموضوع الرواية جميل في توسعه وحداثته، لانه يدفعنا إلى نهاية حلم انسان بعاداته وتقاليده القديمة الآيلة على الانقراض، ذلك أن الروائي يقرر دون ثورة نهاية متسائلة, فقليلة هي الروايات التي تجرؤ وتقدر على هذا القول. ومع ذلك لا يوجد تنافر بين لحمة القصة، بتقاطع بيوغرافيات بطليها وراوية الاستباق المستقبلي، فبرينو الضعيف الإرادة والصيد السهل للمعتزل يخدم جيدا مخطط الكاتب بتبنيه لخطاب متشائم ومتقهقر وانتحاري، على خلاف ميشال الذي يرسم بؤرة مقعرة عبر دوره، حتى وانه باحث عبقري.فالأجزاء الواقعية للرواية تعد ذات أثر فعال في جردها لتوافه العصر الجديد بهزئه من الجنس وتجمعاته الشللية ومشاهده المثيرة، التي تتمفصل بين رواية كلاسيكية ورواية الاستباق المستقبلي بصريرها الآلي. وهذه الرواية ذات الصرير على هاته الشاكلة تطالب بالمزيد من زحزحة الأشياء. فهل تكفي رواية من حوالي الأربعمائة صفحة لإنجاز ذلك؟

ومع الروائي الإيرلندي كولم ماك كان في رواية (فصول الليل) (1998) نقف على رواية حالكة ذات لحظات جيدة، فمنذ الرواية الاولى (نشيد كويوت) يعد الروائي بعلو كعب وقوة استثنائية فريدة باعتراف النقاد وعلى رأسهم جيم هاريسن، الذي يحي فيه قوالبه الواثقة من نفسها. لذلك بم يكن من المستغرب أن تاتي رواية (فصول الليل) عبر صدفة وخلال ليلة كان ينصت فيها الروائي إلى انثروبولوجي امريكي أسود وهو يحدثه عن جماعات بشرية تعيش تحت مدينة نيويورك، داخل قنواتها السفلى.

ومن بداية اليوم التالي سيشرع الروائي الايرلندي في التردد على المتروهات، ليعود إليها في الأيام التالية، ملاحظا حركة دخول وخروج جماعات بشرية هامشية، تنتبه إلى وجوده، وتطلب منه سيجارة وهي عبارة عن عملية تبادل خاصة بقاطني الطبقات الأرضية، إذ خلال أسابيع يتمكن من عقد صداقة مع ماركو الذي يدعوه إلى مخيم الجماعات الجاثمة تحت الاعمدة التي يلفها الفزع.

وعن هذه التجربة سيكتب الروائي عن الردهات التي كانت في أوائل القرن مجرد ثقوب لمحطات الميترو النيويوركي بامتدادتها في كل الاتجاهات التي حفرتها أيادي إيرلانديين وإيطاليين وجنويين، أنجزوا عملا شاقا وخطيرا في ظروف مذهلة وبملاحقة أحد أفراد الجماعة وهو ناثان والكر القادم من جورجيا في سن العشرين يكشف الروائي عن حيوات رائعة وبئيسة عبر أجيال عديدة إلى أن يصل بنا إلى حياة تريفوج – حفيده – الذي جعلت منه أمريكا الطهرية والمثيرة للهزء اليوم أحد هؤلاء الذين لا يمتلكون أي ملجأ لهم، والنتيجة كانت مدهشة لوصف فظاظة موحشة لبنات الردهات السفلى، حيث المسيرة التراجيدية لأسرة عبر قرن من التاريخ الأمريكي.

فالروائي ماك كان لن يقدم نبرة واحدة خاطئة عن هؤلاء، لأننا نقرأها والدموع تحاصرنا امام هذا الباع القوي لروائي يجد صوته الحق، لانه لا يستنكر ولا يدين، بل يروي حياة كائنات شجية واقعة تحت ربقة الظلمات، وهو ما يضع قلوبنا في عراء الملاحقة لطرق متخيل مفتوح على الفراغ. لان نيويورك ناطحات السحاب فب مدينة للاجئين كذلك ينزلون إلى أعماق الردهات، وهم يقومون بذلك تحت ضغط الخجل.

فمتخيل الروائي تخدمه وثائقية قوية، تقود شخصياتها إلى نوع من الخلاص عبر صفحات ذات قوة خاصة لرواية كالحة تحصي فصول الليل بدل فصول السنة، في ما ينيف عن الثلاثمائة صفحة، تجعل من عوالمها التحت أرضية جحورا بتقاسمه البشر والفئران حيث تبني الكراطين تحت منهاتن وحديقتها التي توحي بفسحتها وعابريها ومتريضيها ولا عبيها بالاطمئنان، لمن لا يدرك أن تحتها من السراديب والملاجئ والمشردين والمهمشين ما يدفع إلى الخجل، فهنا يقبع رجال ونساء، بيض وسود، مخدرون ومرضى يعيشون بها منذ عقدين، بل توجد نسوة حاملات كحيوانات نشوهة داخل ثلاثة الاف كيلومتر من الانابيب تحت الأرض بمجاريها وقنوات تهويتها ومخازن خمورها الفاسدة، التي لا تغضب والي المدينة مادام ذلك لا يفسد منظر المدينة العلوي.

هل كان لا بد من نظرة خارجية لروائي إيرلاندي مقيم في نيويورك لوصف هذه الحالة المزرية؟

هل كان لا بد لروائي شاب ان يواجه ظلمات معاشرة هؤلاء الأشباح الجرابيع لأعادة الكرامة الادبية لأبطاله؟

كان ذلك قدر هذا الايرلندي الذي دخل أمريكا في العشرين من عمره مخترقا القارة على دراجة هوائية تقف به أخيرا على فوهة بركان. وهو الهارب من تربيته وطبقته المتوسطة، مبتلعا الطرقات ومصطدما بالآخرين، ممتهنا عشرات المهن من معلم إلى نادل وصباغ بيوت وكاتب مجلات، يعتقد في الأفراد الاكثر عريا من سحة وقتلة، بعطفه على المهمشين، منصتا إلى قصصهم، مجمعا بذلك مادة روائية حارقة، حتى لا يحاول أن يصير مجرد كاتب عادي. لكن الكاتب بعد مجموعة قصصية سيصدر روايتين، مع ندوة القراء، فقد كان النقاد هنا، للتتحدث النيويورك تايمز عن أسلوبي ماهر، يظهر أنه عاهد نفسه على أن لا يكتب سطرا واحدا مملا.

من ثم، جاءت رواية (فصول الليل) لا لتطلب الإثارة، فلم يكن هذا هدف الروائي لانه قصر مهمته على الملاحظة والتوثيق للأصوات الصادقة، لانه كان يريد أن يكون نزيها ومسؤولا امام وعيه. من هنا جاءت لعبة المفارقة: داخل/خارج، أسود/أبيض، ظلام/نور، البارحة/ اليوم، من خلال حكيين متداخلين لبطلين اشكاليين.

إذ تقترب الرواية من عقائدية تلاحق بطلهاأربعين يوما وليلة، إلى أن يبعث على غرار اهل الكهف، لكن كل التاويلات واردة وممكنة من حكايات الجن إلى الرواية الاجتماعية إلى الواقعية والعنف، دون نسيان البعد التاريخي. فمنذ العقد الثاني إلى يومنا هذا تستعرض الرواية مختلف الوجوه الأمريكية. فالسادة هنا بلباسهم الانيق وهم يجندون من اجل حرب أثيوبيا.كما يوجد إزنهاور وهو ينظر من خلال جهاز التلفاز إلى بطل الرواية نظرة مريبة، كما توجد العنصرية العادية والعنصرية المعكوسة من خلال هاته الالآم البيضاء لام تخفي زواجها من رجل أسود حتى تحتفظ بعملها، ويصل بها التعنت إلى حد نكران ابنها.. كما يوجد من يرقصون إلى جانب الفقر المدقع، لحد ان السود الذين قرأوا رواية (فصول الليل) اخذوا في التساؤل، هل كان الكاتب احد البيض فعلا أو أحد السود، وهذا ما يمثل انتصار الروائي الانرلندي في بلد العم سام. ومع ذلك يعتبر الروائي نفسه ايرلانديا، حتى وهو يرى روايته امريكية تترجم إلى الفرنسية اعترافا بعطائها.

وفي نفس الاتجاه تأتي رواية (طريق العودة) لجيم هارسون، الذي كون شهرته من كونه يقاتل ليصنع عملا متوحشا، على غرار رعاة البقر، لذلك جاء عمله احتفالا بالرقة والمهارة كاشف عن روح مهمومة بالمفاجأة يجعل منه موزار السهول الأمريكية والأرض الأسطورية التي يسمع همساتها وخفقاتها وهو يهدهد الرياح، وهي موسيقى تكاد تدغدغنا طوال قراءة الرواية، ذات الوجوه المرعبة بموت أب خلال الحرب الكورية وانتحار عاشق على ضفاف فلوريدا وحمل في سن الخامسة عشرة يتخلى عنه ويتنكر له في نفس الآن. والرواية من ثمة بحث مؤلم عن جنة مفقودة، حيث يشتغل عليها هاريسون بالعودة إلى الحكاية الميثولوجية، ليضيئنا من الداخل عبر اعترافات ويوميات تصطاد المطلق.

وإذا عدنا إلى الرواية الفرنسية لكزافيي باتيي(معرض العزاب) سيخيل لنا امام قلوب في المزاد العلني، لكن ذوق الروائي يتوجه إلى مشاهد قروية، تلك التي يصيبها الفساد في بيت المؤن، وتحمض في الأروقة والمر ائب وتذبل على حافة الحدائق المغلقة.

ولكن قراءة كزافيي باتيي تذكرنا بروايته الجميلة (السم)، حيث تتحول ريشته إلى رسم دور الأسر فيما يشبه حلبات والوجبات الدومينيكية إلى معارك سمك أبو مريئة. اما في روايته الجديدة فيمتزج بفلاحين بكوريز، يعملون في الحرث وتربية الدجاج بين بقايا جرارت مستعملة.فالجو فاسد كما لو كان تحت إناء زجاجي لحفظ الجبنة، حيث تنيخ السماء بكلكلها على عوالم يغيب فيها الاخ وتحضر ممرضة دون وجه امام مستبدة كما لو كانت آلة ضخ الدم الأسود لها تزيدها سلطوية.

ويرسم الروائي العالم الفلاحي المغلق، بقلوب في المزاد العلني، ما العمل إذن غير إدخال البهائم إلى الحظيرة، وأمام الانعكاسات الزرقاء لتلفاز، لاشيء غير الشراب إلى حد قتل العطش واليأس من الكؤوس. وربما كان نشر غعلان عن الزواج منقذا من هاته الورطة، لكن لاشيء يتم كما نهواه، فالحب يتخفى بين السرير والثلاجة في الأيام الرمادية وبين تعدد الواجبات الاعتيادية.

ذلك هو ما تقدم رواية (معرض العزاب)الصادرة عن دار المائدة المستديرة في (142) صفحة.

إما عندما تكتب الروائية الفرنسية لورانس كوسي فستعنون روايتها (زوجة الوزير الاول) معتمدة في ذلك على إعادة بناء تخيلية لحياة صاخبة لوزير مشهور خلال ولاية لويس 17

فالحضور في مرآة السيدة هو ما يتخفى تحت لمسات لوحة فان لو الذائعة الصيت. فالسيد سوازول لم يخلف وراءه سوى مذكرات مقتضبة، حررت على استعجال وهي غير تامة ولا كافية. ورغم أن شخصيته لا تفتقد خطوطها العامة، فقد وصف كرجل دولة كلفه لويس الخامس عشر بمهمات دقيقة، ومن ذلك تستلهم الروائية لورانس كوسي صورة زوجته. في نوع من الاستعادة لقصة تستثمر المذكرات الحقيقية والبالغة الخصوصية والخيلية لبطلة هي لويز هونورين شوازوك. فأي فكرة رائعة تلك التي تعطي الكلمة للسيدة. إنها نظرة تذكرنا بجولي ليسبيناس العاطفية المثيرة. امام زوج كازانوفي، بكره المجهود ويندفع ضد رغبته لكن زوجته تسامحه كل شيء، دون التوقف عن حبه، فوضوح رؤيتها يلامس نبل روحها الثائرة، تلك التي يصفها فولتير بفونس (آلهة الحب) المصغرة. هكذا تستعيد الكتابة النسوية صورتها دون التنازل عن أية صغيرة، امام رجل نز، متألق، قاس ووصولي.

وبذلك تحقق الروائية الفرنسية لورانس كوسي رغبتها في رفع ستارة تاريخية من أجل متعة القراءة، وهي نفس المتعة التي تمنحها رواية (أصدقاء سيلست لفرانسوا سيليزا، الباحث عن زمن الزمالة، حيث يفتشسبعة أصدقاء عن زمنهم الضائع في رفقة ساردهم. اما وقد تجاوزوا الأربعين من عمرهم، فقد كان عليهم – بوازع موت لوران – الانطلاق نحو رياح الجهات السبع الأساسية في حياتهم لرسم ملحمة دوماسية، تقرر وقفات بالمطاعم الجيدة واحتساء انخاب كل منعطفات الطريق لتدفئة رماد الأصدقاء والقدامى منهم.

أي شيء صنعه هؤلاء بشبابهم؟ لقد تعاركوا وسكروا حتى الثمالة وسرقوا وكذبوا فلا يوجد في حياتهم غير الحارق والبارد ولا وجدد للدافئ فهم يثقبون الليل كامراة روس، بطرق فوضوية. فالثورة كانت سلوكهم، إّ كان لكل الروميوات جوليواتهم لكن سيليست كانت معشوقة الجميع، كانت تتصرف كصبي مفتقد: قوة وفخرا وكرما، وقد أصبحت بذلك امرأة مكتملة، كما يكون قدرها موضوع القصة التي يحرك خيوطها رجال تكريما للنسوية والإخلاص.

من ثم، توجد برواية (أصدقاء سليست) مبارزة بين الشمس والموت، حيث ينظر كل واحد للىخر، عبر أسلوب روائي محمول فوق أحاسيس الانفعال، مما يصنع من الأبطال أبطالا خارج العادي، لقصة حب تلج بنا عواصف وتولهات. وهي رواية تدخل بنا عمر الكبار دون أن تدركنا الشيخوخة المبكرة عبرها...وتنتقل بنا رواية (غرفة الضباط) مع مارك دوكان إلى جرائم حرب ومقترفات الوجوه الوسخة خلال الحرب العالمية الاولى، في شكل جولة نقاهة ببرلين، خلال شهر نعود بعده إلى الالزاس واللورين محملين بميدالية صليب الحرب التي لم تحول أصحابها إلى جنود مجهولين بقدر ما جعلت منهم وجوه خفاء، تنتهي الحرب لديهم بمجرد إعلانهم. لانها تتجعل منهم علامة انتصار وهمي...

ويتوقف مارك دوكان في روايته الأولى (غرفة الضباط).ليستثمر شهادات عائلية في كتاب حيوي، فباستثناء الاستهلال غير المتسلسل والذي يحملنا إلى حرب ثانية تقدم الرواية وحدة بارعة وكثافة سردية، حيث نظل ملاحقين للحكي الملاحق للحياة والمخترق للمتاهات والسراديب المؤلمة في أفق انتظار يطول به خيط الامل.وبذلك تجد الرواية الفرنسية لموسم 1998 تنويعاتها الموضوعية المتنقلة عبر عدسات متعددة الأصوات والفضاءات. فمن الحرب إلى الحب إلى الرواية الاستباقية فالتاريخية. اما إريك هولدير في رواية (مرحبا بكم بيننا) فيتشبث بأجواء تجعل بعض النقاد يذهبون إلى حد انه كاتب يتوفر على ملكة الاقتضاب، فهو يكتب قصصا بسيطة، تاتي قوتها من طريقته الضاغطة على مسار الحكي، فهو لا يتعثر في الأفكار العامة لتقديم حب بين رجل يشيخ وشابة تفتقر إلى الجرأة. لتجنيب بطله حرج الانتحار المتحرر بموجاته الجديدة، إذ يقدم نفسه كروائي ليقودنا من ثمة إلى عالم خاص به عالم عذب ورطب، يشبه الواقع بشكل لا يصدق.

مرحبا بكم في عالم إريك، حيث السعادة عبارة عن فكرة بسيطة، تهيمن على أجواء روايته (مرحبا بكم بيننا). فبعد عيد ميلاد تابلاندي يقرر الرسام الشهير الانحار بعيدا عن اهله في غابة بعيدة ودون إزعاج للىخرين من أقربائه: زوجته وبيته وابنه. كان البطل قد احضر بندقيته لهذا الغرض واكترى سيارة. دون ان يكون الموت انتظاره بل كانت حركة مراهقة على جانب الطريق السفلي كافية لرسم قرار هجرة مشتركة تنقل البطل مع رماهقته إلى طريق التيهان عن غير قصد ودون اتجاه معين، ومن فندق إلى آخر، دون غاية محددة. وقد قام البطل تابلاندي بتلقين دانييلا طريقة الجلوس واللباس وتسريحة الشعر، فهو بمثابة والد بالنسبة لها، كما انها تحولت إلى دفقة أوكسيجين بالنسبة له. لكننا لا نغرم بالأوكسجين، بل نحن في حاجة فقط إلى كل لحظة دفء.وعلى غرار الموجة التي اجتاحت فرنسا في فترة السبعينيات يجد الروائي في هذا الهروب إلى الامام طريقة تحصيل حاصله الروحي، دون ان تدفعه المغامرة الإيروتيكية إلى تجربة التكرار. بقدر ما يحدوه البحث عن معنى المعنى، في نهاية قرن متعب يستدعي كتابا ناعمين يهدهدون أشجاننا ونستعيد بهم قدرا من الامل وبعض الشرعية.

وبذلك تكون سادس رواية للكاتب عزفا على احترافية الحكي بالمعنى الكامل للكلمة والشيء.

د. سعيد علوش

العلم الثقافي، السبت 28 نونبـــر 1998

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008