نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

حداد رواية (عرس الديدان) لحسن حداد
 


هاهي رواية (عرس الديدان) تلوح بزمن (أبي الجعد) – بعد (زمن شاوية) حليفي – لتقدم فضاء بلون وطعم جير (كُوْشات) (المكرط)، تلك الهضبة الكلسية، الفاصلة بين مشبوحات الولي (بوعبيد الشرقي)، حارس (الربيلي) و(الفَرًاكة) و(الجانكة) وهي تفتح شهية أفواه (حياحة ) (مغيطات) (غترات) أبطال يمتحون من قاموس محلية، تحتفي بـ (البيبوية) أسلوب التمازج الواقعي بالمتخيل، لحد بلوغ أقصى درجات الطوطمية البدائية لما فوق تاريخي لأشباح لا تتوقف عن استنشاق دخان (الكوشات) الجيرية – الأكثر ديموقراطية – من دخان (السبسي) – الذي يقتصر على أشباه – رجال دون أشباه – نساء – ما دام أهل الحي (لا يفعلون شيئا سوى امتصاص السبسي والاستكانة إلى هذا الوجود البدائي، الذي يوجد معناه في عدم معناه، نفس الشيء يفعله دخان الكوشة فهو يقتحم البيوت والصدور والمطابخ) (141).
ولعل هذا الحداد المعلن للمأساوية اليومية هو ما يقود إلى إطلاق (عرس الديدان) على أشباح منهوكة القوى، لولا فسحة عبث اعتباطي، يقدمه سارد كامل المعرفة كأطروحة رواية ظظظظظظن ذلك: (أن هذا الوضع الذي أصبح عليه اهل الحي، يعاشرون الموت بشكل يومي وهو يفتكل باحد أفراده، وهو ما دفع أحد الشبان، الذين يدرسون في الجامعة واسمه الحسني عصامي يقول إن هذه المأساة تؤكد ما قاله شكسبير إن الآلهة تقتلنا كما يقتل الاطفال الطائشون الذباب بمجرد المرح والمتعة) (237)
وبما ان للمأساة الحدادية، نواحيها، فما على (يامنة الناصرية)إلا نظن أشعارها للتغني بالديدان الناهشة لشهامة (توليعت) كسرطان – هو السرطان الحي بعينه التي لا تنام.
من هنا تبرز حيوانية حدادية، لمواجهة الشرور اليومية في شبه هروب متلاحق نحو أشباه – مدن، بعيدا عن رتابة دخان كوشات الجير، التي لا تزيد مشبوحاتها إلا ترديا: (انتقل كثير من اهل الحي إما إلى أبي الجعد ... بينما غادره عدد آخر طلبا للعيش في الفقيه بن صالح وخريبكة واولاد عياد وبني ملال واولاد النمة... إلا ان عددا لا يستهان به ظل صامدا وفبا لروح الكيف والدخان والجنس وحياة الكوشة... والبداوة الحضريية) (229)تحت انظار بوعبيد الشرقي، الذي يحدق في الكلب(زيتون) وهو يتشبه بقويدر، الذي يرى العالم ماشيا على رأسه، لان إعاقته كلبية:(إنها وجهة نظر كلبية... كان قدور يظن ان في الامر عدلا، يحاول أن ينظر إلى الحياة والحي، من وجهة نظر زيتون.
إن الحياة من وجهة نظر زيتون تبدو مقلوبة رأسا على عقب. وكنها بدت لقدور وكانها أقرب من الحقيقة...) (231)
إنها سوداوية تسرق فرحتها من زمن المتخيل وكرامات (مولاي بوعزة) التي تجود برومانسية حب العربي (حمادي) للأمازيغية (تولعيت) كبذرة سعادة، بدات بـ (الأرياح) وانتهت بالديدان كما لو كانت اللعنة تلاحق مشبوحات الكوشات الجيرية، التي تتعود على لحظات الفرح التي ينسجها حكي الحكايات الشفوية:
(إن حكاية حمادي وتولعيت بالنسبة إليه لا تضاهيها في عجائبيتها الإحايات سيف بن ذي يزن...) (33)
فالمرجعية الشفوية هي الثثقافة الوحيدة التي تتفتق عنه أعراس المشبوحين : (كان حمادي لا يروي قصته لأحد... حاول سرد روايته على كثير من اهل البلدة... فكف عن الرواية...)(34)
لان قصته تحولت إلى لغز كرامة، تبحث عن كينونتها وسط الإشاعة كما لو كانت مبررات الوجود تقتضي التوفر على (حكاية/قصة/خرافة) لمواجهة واقع لا يرحم. وهو ما يتدخل السارد الكامل المعرفة لإبراز أهميته من وجهة نظر الفاعل الثقافي: (القصة ليست نشازا، مقارنة مع ما يقع وما يمكن أن يقع، بل كل المقومات التي تخول لها أن تكون قريبة من النموذج.
ما يؤاخذه الآخرون على هذه النظرة، هو كونها تغرق في الذاتية، وانها تفترض ان وجدود النموذج، يبرر وجود هذه الانماط فهي واقعية) (37)
يتدخل السارد في الشاهد لينظر لوقائعه الأطروحية، مما يشوش على الروائية، من قبيل: (لكن عناصر الإثارة السردية والتفلسف والوصف، تمت بلوراتها من طرف أحد الشباب، الذين هم في مستوى دراسي متقدم، عن العنصر الأساسي في مقاربتهم هو التفكير عمن يكون وراء ترتيب وحبك وتأسيس بنيات القصة) (43)
وتتراوح تدخلات السارد، من خلال تجميع قصص (103/105/114/133)والأفلام (109) والإثارات، التي تتناسل حكاياتها لتستأنس بمرويات الأزليات والأساطير الشائعة في المخيلة المحلية، كما لو كانت الرواية تنقيبا، يقتات على الجاهز لمواجهة عسر حياة رتيبة لا يفك الحصار حولها سوى استعادة أبطالها الحقيقيين: (كان كذلك يجد ملاذا في الأزليات، التي كان يحكيها رواة جلسوا لسنوات وراء ضريح سيدي عثمان، أمثال سيدي عبد العزيز البزيوي
أو المفضل المراكشي أو الصالح الزموري أو ولد الدكالية...) (112)
ويشغل الروائي الذاكرة الإثنوغرافية، كاشفا في استعراضه عن رغبة كشف الذاكرة لخرافتها الشفوية الكبرى، والتي لا تتوقف عن مقايضة حكاية بأخرى: (حين انتهت من قصة حياتها القصيرة جدا طلبت... ان يحكي لها قصته...) (275) وبما أن الحكي كشف للمستور، فإن الرواية تجمع خيوط المحكيات لرفع القناع عن حبكتها: (لم يكن من الصعب على ياسمينة ان تربط بين قصة الشريف... وهذه القصة التي تظهر خيوطها واحدا واحدا وتتحكم في صيرورتها الحاجة أمي) (285) ونظهر الحبكة الكلاسيكية بالكشف عن شخصية سعيد – المجرم الهارب – والحاجة أمي – محجوبة – في شبه محاكمة للنوايا القابعة في زوايا البداوة – الحضرية...
(وكان الأمر شبيها بمحاكمة أدبية من المحاكمات التي دأبت ياسمينة على تمثيلها..) (288)
(تذكرت ياسمينة ما درسته في التاريخ، حول القادة والجينرالات الذين يربحون المعركة ويخسرون الحرب، هكذا بدأت الحاجة أمي والحاج عبد القادر والآخرون، بدأ الحاج الشريف سعيدا وكأنه خسر المعركة وربح الحرب) (288)
وتتم النهاية السعيدة بكشف السارد الكامل المعرفة لها، لا بحدس قارئ يسعى إلى أفق انتظاره في الأحداث... ولا يلبث هذا السارد أن يتحول إلى منظر لروايته: ونستمر في الكلام لان المعنى يكون دائما ناقصا، فنحن في بحث دائم على المعنى المنشود والمفقود، وما يفعله فيه القمر هو إيجاد معنى كامل متكامل ولكنه غير مفهوم ومبهم) (150)
وحين يتخلى السارد عن دوره لبطله، نجد سعيدLيقر بان فقدان المعنى وعدم إدراكه نعمة... ولولاها لصارت حياته جحيما، لأنه سيكون اكتمل معناه، لا يكتمل المعنى إلا عند الذين لا يقبلون الحياة بنقصها وعدم اكتمالها ودونيتها وهم المجانين والمنتحرون والفاشيون والحشاشون والقياميون والظلاميون وغيرهم) (150) ورغم المحاولات البوليفونية، فيبدو أن ناقدا ثقافيا يسكن الروائي ويفسد عليه متخيله، فقد ظهرت عدة رسائل لتؤثث لصفحات عديدة (191/192/193/194) و (199/200) و (262/263/264/265) تترجم لوسطات تكشف الأقنعة عن المخبوء في العلاقات الكيدية... كما تركب الرواية موجة نسوية ترضع من ثدي (ميلاني كلاين) عنف الرجل نحو المرأة، لتتجسد في شكل مرافعات في صفحات (123/124/125/126) كادت تفقد الرواية عقلها، حين خرجت (ينظرة أكلوية) تراوح بين الحكم المسبق والنزق الروائي، الذي يقرر طرح كل ما يخطر على ذهنه من جنة الأفكار:
كان يسمي هذه نظرة أكلوية للزواج، ولكنها نظرة كانت في نظره تناسب علاقة المغاربة مع الاكل والجنس والمتعة..
حين يتزوج الرجال ويصلون سن الثلاثين تنتفخ بطونهم وتحمر وجوههم، وتراهم يسيرون بعسر كالنساء الحوامل...
إن الجنين الذي زين بطن امه والطواجين المتعددة التي نفخت بطن أبيه تخلق نوعا من التقارب في نظر قويدر ما بين الجنين والطجين) (260)
فهل هو انتفاخ متوسطي ام مغربي؟ - وعن أي مغرب؟ - إنها المفارقة التي تنضاف إلى تصدعات أخرى كان الاولى بها ان تندرج ضمن هوامش الرواية – لا المتن... ذلك ان السارد يقدم تعريفات بقاموسه، من قبيل (الكوشة/ زويزوات/المكرط/ الزربية/المشبوح/الربيلي/تمارة/البيووية) وكلها تستحق ذلك لكن خارج المتن، الذي يتشوش بتعليمية شروح صفحات (86/69/63/35/28/91/121/153) على التوالي...
كما لا تخلو الرواية من نزعة شحن الرواية بشخصيات أثنوغرافية وفضاءات أنتروبولوجية، كما لو كانت وظيفتها تقديم جرد شامل بالرموز المدعومة بازجالها على صفحات (73/76/77/78/79/80) وتداخل بوليفونية حوارات عامية (107/108/111/112) (169/170/171/172) (187/188/195) (126/204) لها أهمية خاصة في لحمة الرواية.. وغذا كانت رواية (عيد الديدان) تقدم نفسها في شكل خمسة كتب:
1- كتاب محجوبة
2- كتاب قويدر
3- كتاب سعيد
4- كتاب الحاضر
5- كتاب ما بعد النهاية
فإنها تنتظم ضمن طابع استعراضي، يمتع في أحيان كثيرة، لكن تدخلات الناقد الثقافي، تعيد الاعتبار إلى مؤرخ البوادي ضدا على إهمال المؤرخ الرسمي وانتصار للشفوي.. باعتباره أحد أفراد (الثلث الناجي)، الذي يأخذ على عاتقه تدوين (حكايات من لا حكاية له) بالتنويه بمهمشين، يجدون انفسهم بالصدفة خارج (معادلة الدولة الحديثة) – حتى وهم يزودونها بكوشات الجير لطلاء جدرانها المتداعية في الزمن الرديء.. دفعا لضريبة من أجسادهم المتساقطة بالتقسيط عاى حواف بوليه (بوعبيد الشرقي) و(مولاي بوعزة)، في انتظار الذي ياتي ولا يأتي...
عن (رواية المثقف) واضحة من خلال رغبة البوح الاثنوغرافي والأنتروبولوجي بالخرافة كاملة كمنفذ وحيد من خلال التهافت. او الصمت المريب..فهل توقف حداد حسن الحداد في تكليم عرسان الديدان؟ إم انه بنى (مقبرة سعادة)؟ لا يسعنا إلا الرحيب به في جنة الرواية... عفوا جحيم الأدب...
يبدو ان الحداد يلاحق الكتاب المغاربة
فمنذ (حدادا علي) لإدريس الملياني
و (مقبرة السعادة) لعبد الله زريقة
و (ليتني أعمى) لبنطلحة، ونحن نحتفي
بتأبينات غير معلنة...

سعيد علوش السبت 3 دجنبر 2005
العــــلم الثـــــقافي
 

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008