نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب
(المخدوعون) لأحمد المديني (2005)
 

إلى خالد عليوة وأحد الطالبي
- الأول بطلا روائيا مشهودا.. في هذه الرواية
- الثاني شاهدا (ماشافشي زي كدا) .. في الواقع



قال الناقد المغبون :
وهكذا ظهرت في المغرب ثلاث جمهوريات بمفارقات عجيبة:
1- جمهورية المؤرخين: فضاؤها (الريف) وعاصمتها قبر الخطابي بالقاهرة في إشارة إلى أشراف (شارل أندري جوليان/ جاك ببيرك/ بلاشير/ جان دريش) على ندوة دولية وطبعها في كتاب (عبد الكريم الخطابي وجمهورية الريف) (1979).
2- جمهورية الساسة: فضاؤها أوهام البوليساريو وعاصمتها الجزائر
3- جمهورية الأدباء: أبطالها طلاب (شيوعيون/ لينينيون/ تروتسكيون) وعاصمتها مقهى (الزمن الكرز) بباريس.

تستحق رائعة أحمد المديني (المخدوعون) أكثر من قراءة، لبلوغها مستوى فنيا، يتفوق فيها الكاتب على كل رواياته السابقة. بالقبض على جمر لغة، تفيض بقوة إشكالية للنوع والموضوع والتقنية. ولأننا لا نريد مزاحمة المشتغلين على فنية الرواية وأنساقها الثقافية والأدبية، فإننا سنقتصر في قراءتنا على هامش الأحداث الباريسية، وبحكم ذكريات – غير مشتركة ويعرف ضبابي على بعض شخوص الرواية ونتف من حيوات طلابية باريسية، نستسمح الروائي في إبداء بعض الانطباعات حولها آملين ألا يضعنا في خانة بعض القراء المبحلقين في الفراغ.. لأننا نقنع أصلا بنوع من (النقد الثقافي) الذي يعتقد في المقروء، (منخدعين كباقي المخدوعين) أو (محايدين كباقي المحايدين)، القابعين في جبال الروح الأشعرية.. لا نصنع الأحداث ولكننا ننفعل بها قدر الإمكان في زوايا الأضرحة الحدادية..
فكل من سيقرأ رواية الخداع، سيقف على شخصية قريبة منه، بعيدة عنه – بعد السماء – لان تحليقات الرواية إما انها عالية جدا، أو تخفض جناح دلالها إلى أسفل سافلين. أليست هي الرواية التي تتبوأ مكانة (مؤرخ الممالك والمسالك) لأنها لا تعترف (بشرموطة الجمهورية) أو (انتفاضات الحائرين).. تعلي من شان الروائية على حساب المهزمين في الأقاصي.
وغذا كان (لكل جواد كبوة) و(فوق كل ذي علم عليم) فلا شك أن في (الاختلاف زحمة) تجعلنا نتدافع بالأيدي والسواعد للحصول على (رصيف القيامة) النقدية. لا نريد من ذلك لا (إنصافا ولا شحا) بل مجرد شفافية تشفي بعض غليل.
فإذا كان (ابن الخطيب) (دليل حيران) الروائي في (فاس لو عادت إليه) لاستعادة حياة جامعية لظهر المهراز، فإن (جوليان غرين) يسعف الروائي للكتابة عن باريس: (ومن الذاكرة، طقت استظهر ما صار محفوظا عندي بالغيب من كثرة قراءاتي له، بعض ما كتبه جوليان غرين عن باريس، التي دلهته فشطح بها خياله وحسه) (193) وحين يشطح خيال وحس الروائي، يتم إغلاقه سنة 1980 من طنجة نحو فرنسا التي جاءها مرافقا. وصار بها مهاجرا لعقدين – قابلين لكل تمددات كتابات ضفاف وعزبة ولع، يشهد عليها الكلب، (طانكو)..
ةلأن الرواية (ظن / افتراض/ ذاكرة)، فإنها تذهب بكاتبها نحو (حريته) فيما (يروي) (فلاقاهر له) وهو الذي استبدل منفاه الاختياري الاول بالمنفى الباريسي رأبا لصدع القراءة المشتهاة (القليلة/ المنعدمة/ المبحلقة) ليكتشف (التويسر/ فوكو/ دولوز/ سارتر/ هابرماس) مادام (الفكر الحقيقي هو الذي يجعلك تتطاير فوقه شظايا) (175) بحثا عن الأسلوب الأنسب (من لا أسلوب له لا حياة له) (173)
لذلك ينصرف إلى (كتابة قصة ستحدث ولا شك ضجة في سوق الادب العربي البائر) (30) حتى وأن مهنة (كاتب كاذب. ليست مهنة العرب) (28) تعبيرا عن سخرية مفارقة. يتدخل فيها السارد في نهاية الرواية ليعيد عقارب ساعتنا إلى صانع احداث الرواية، لذلك الذي يكلف نفسه مشقة تعريفنا بالآخرين أولا من باب التواضع ويعود في النهاية ليقدم نفسه – من باب التوادع – حتى وهو يضع نفسه في آخر القائمة. ليبوح لنا بكون سارد روايته (شخص حقيقي لا متوهم، ولا كائن من ورق) (239) لأنه يقص علينا قصة كاملة عن أفراد/ حيوات تقاطعت مصائرهم به دون أن تتطابق، وهذا القص موجه إلى (ناس/ قراء) (لا اميين...كما هو الحال في أرض العرب وبلاد المغرب على الخصوص) 239 إنها إذن (رواية المثقف). الكامل المعارف – حتى وهو لا يدري من سيبتلع حبة دوائه بعيدا عن (اللعب بالعقول) والايقاع في الأحابيل لأن الرواية جد في الجد: (تعبير أنها حكاية عادية. او إنني من رقعها من رؤيات مختلفة، ولك ان تقول نسجتها من الخيال... أي ليست من أولئك الذين يروون القصص ويحكون المغامرات أو يصطنعون البطولات في المقاهي
(124)
ولان السارد ملسوع بغربته الأولى وملدوغ بالغربة الثانية، لأن الصور تتبدى له بلونين (صور هذا الوطن الذي أحبه ونفر منه في آن، فيا لتعاستي) (223) وهي تعاسة بحجم (جمعية لكتاب ومثقفين مطامحهم أكبر من قدراتهم ومواهبهم) (79)
وتعاسة من تردي المفكرين (هل تخبرني من هم المفكرون عندنا الذين يجرؤون على التظاهر... بما في غرف النوم اشتهاء لزوجاتهم الفاترات...) (172)
ولان السارد سار في تظاهرة جنازة سارتر، فإن هذا يستدعي لديه تأس آخر: (سرت معهم وبكيت في سريأسفا على مفكرينا وكتابنا الذين يموتون في التجاهل) (114) ولان الغربة الثانية تولد غربتها الأولى، فإن التذكير يفكك مكونات طينة الغربة الاولى، تلك التي لاحقته في غربته الثانية، كما لو كانت تطارده لتفسد عليه خلوته، لذلك فهو لا يصنع أكثر من إطلالة عليها من فوق لاحتقار طلابها الكلاب – لا الكلب (طانكو) طبعا:
الطلبة المغاربة يتشممون بعضهم كالكلاب فضوليون ولا يطيقون الاختلاط بغيرهم... وعدا ما يحصلون عليه من شهادات فإنك تستغرب كيف يقضون أعواما في مدن أجنبية ثم يعودون إلى مهدهم كما ذهبوا..) (164).
فهل هي مقولة غرونباوم عن عرب لا يعودون بروح الغرب إلى بلدانهم، وغنما بمجرد شهادات؟ أم ان في تشمم الكلاب حيوانية اخرى أعنف من الداخل كما لو كانت اللعنة تطاردهم في كل المنافي (داخلية/ خارجية) لان رقييا يريدهم طينة ملائكية. وهو ما لا يجده في الطالبات كذلك: (نادين... لا تشبه بنات وطنه الغازيات المتعسفات... يثرن حفيظته.
لا يعرف هل جئن للدراسة فعلا أم ليتأبطن أزواجا قبل أن يعنسن... فهن ذوات أنانية مفرطة وفيهن من تقضي الكثير من الأوطار، شريطة أن يتم ذلك في الخفاء...) (165)
إن المثل البرتغالي يعتبر (الأم الأخت والزوجة) قديسات، وكل النساء عداهن عاهرات أما المثل الروائي فيبيح للذكورة ما يحرمه على الأنوثة، فهل من العيب أن تتأبط المرأة زوجا، او تقضي اوطارها خفية؟ أليست صنيعة طينة غربة أولى في بلدها؟
ولأن السارد (تقي نقي غير عاص) لا يعول على البعد الزمني والمعرفي في استعادة الاحداث فهو يتبنى الرؤية الرسمية للدولة بأبويتها المتنطعة. ألم يقل رئيس دولة افريقية عن الطلاب (نرسلهم إلى روسيا فيعودون رأسماليين، وإلى أروبا فيعودون شيوعيين)، وهاهو سارد الرواية لا يخرج عن الأطروحة وهو يدين الغربة الثانية للمتياسرين: (طلاب ما يلبثوا أن يحطوا رحالهم هنا حتى يتحولوا إلى ماركسيين وما ويين وتروتسكيين، مصممين على الإحاطة بالملكية في بلادهم مع انها هي التي ترسلهم للدراسة في الخارج، وتعطيهم السكنى بسعر زهيد في دار تسمى (دار المغرب)، وعوض الدراسة يتحولون إلى حراس ليليين في الفنادق والمتاجر.. يشترون سيارات يهربون فيها البضائع... انا محظوظ إذ لم أسكن في تلك الخربة.. فوجدت غرفة... بعيدا عن تراهتهم، وخاصة عن هلوساتهم النضالية...) (134)
ولا يسأل السارد نفسه لماذا لم يسكن خربة (دار المغرب)؟ ولا كيف يعرفها وهو خارجه؟ غنها محض صدفة...
ولان الاستثناء يؤكد القاعدة، فالسارد يقدم نماذجه الطلابية المثالية كأشخاص حقيقيين (الدادسي/ عليوة. الباهي/ سي محمد) والمدنس (غانم)، كما لو كان المنفى الثاني غربلة لتطلعات المنفى الأصلي، الذي على الروائي اختزاله إلى ما تكلس في تذكراته الحرة:
(هذا الدادسي الخجول... عليوة النحيل الذي يعتني بنفسه ودراسته، ولا يعرف من أن يجد الوقت للاجتماعات والجلسات. والباهي هذا الصحراوي يتحدى حدود الجغرافيا وفي قلبهم سي محمد... يهابونه كل هيبة.. ولا تعرف أين يحط بصره خلف نظارتيه السميكتين، وغانم يعامله بتهيب كبير ويطير إليه كلما طلبه بالهاتف...) (72/73)
فالسارد يتطابق مع تاريخية الواقع باختزالها إلى وجهة نظر في متخيل لا يستقل بذاته ولكنه يسيل بالأحداث الجسام، لأن
التفاصيل لا تهمه،ولأنه (يناصر ما انتصر) و(يهزم المهزوم) أليست هذه إرادة التاريخ؟ لكنها ليست وجهة نظر ميشال دوسيرتو – الذي بن يرد اسمه في قائمة معارف السارد، التي قتلتها التقليعات الاستهلاكية – وحين يتم الاحتفاء بالشخصيات الحقيقية، فإن الباهي يكون على رأسها لبهائه (المعرفي/ السلوكي / الإنساني) والروائي طبعا:( هذا الرجل الصحراوي الموريتاني المغربي الجزائري الذي تعرف معه في باريس على الامة العربية جمعاء اعتبر انه صار يتغير فعلا، ويسير على خطى هذا الرجل يقصد باهي الذي كان حيوانا قارئا بكل معنى الكلمة ... أيقن انه ليس من انقلابيي خنيفرة، الذين كان على علاقة معهم(166
وهكذا يؤثث الباهي بجديته وقفشاته ونميمته صفحات من الرواية (72/166/167/203/244/247/248/249) على خلاف عمل عبد الرحمان منيف... وعلى عادتنا في الحداد على الاموات، نكون قد صفينا التركة بإزاحة ضمير المفرد كالجمع تجاه من ابتهج به تاريخ (تناوب (ورفضه (القدر) الباهي مشرفا على جريدة الحزب ولان الرواية حدادية تجاه الأموات، فقد كانت كذلك تجاه أحياء وضعت على رأسهم (غانم الهلالي) رمز للغنيمة، هذا الذي درس الفلسفة وكان مندسا في صفوف المناضلين، ليجد نفسه في مرتبة (أسكي) التروتسكي المتطرف، والذي يحصي انفاس طلاب المنفى الثاني، بدليل قاطع هو ضبطه في مقهى مع موظف بالسفارة... وسيشهد السارد بطله الحقيقي (الباهي) لتاكيد ظنه عن متسللي التنظيمات بعد السؤال عنه في المنفى الاول: (صاحبنا القديم ذاك دار مثل ما دار آخرون مع الأيام، وماذا تقصد ياسيدي محمد حرمة يرحم والديك؟أقصد أنه يعمل في الخارجية شكلا فقط، اما مهمته الحقيقية فهي ... مع الجماعة
أمن البلاد... موكول أمره إلى الجماعة...
كوفئ بمبلغ ...اشترى به شقة أجرها في حي الرياض...) (246.247)
وهكذا تباع المبادئ الكبيرة مقابل طوب اسمنت، كما لو كانت الخيانة شيئا معزولا يضع الجواسيس والانتفاضيين في صف واحد... كتاكيد لشائعات السبعينات.
ولان الرواية أرادت لكل بطل وظيفة تأثيث قضية من قضايا منفيي (الداخل والخارج) فقد وجد السارد في بطولة (عبد الرحيم لمزابي) ماريونيت لأداء دور مهووس بخريطة المنفى الداخلي:( ليس مشدودا إلى الواقع بالوهم مثل عبد الرحيم لمزابي الذي صمم على صنع خريطة جديدة للمغرب تمتد من ماضي أحلامه إلى مستقبل خياله، يتربع في صدارتها وهو يرى الشهداء الذين ماتوا عبثا يستعيدون ما اغتصبه منهم اللصوص باسم هذا الوطن نفسه ويستطيع هو أن ينفذ فيهم قصاصه...) (141)
ولان السارد يمتلك وعيا بالواقع، فهو يميز بين وهم وواقع طلاب محمولين على أجنحة الأفكار التي كانت مكتبة (ماسبيرو) في الحي اللاتيني رائدة لها ولم يكن الطلاب المغربة وحدهم من يخوضون فيها بل كانت تيارا عالميا ينبض في قلب باريس، ولم تكن قضية (عبد الحيم لمزابي) او الجيلالي المعتوق)، فاختيار الإسمين بالذات يدل على طبقية وانتماء، ينزع إلى الانعتاق. لكن السارد يقدمهما من وجهة النظر الرسمية المحضة:
(لا اتذكر متى ولا كيف عرفت الجيلالي المعتوق المخنوق.. لان القضية التي أعنق خنقت حياته وعلاقاته، فالرجل يصحو وينام على مصير شعبه... سافر... إلى ليبيا... تعرف على مغاربة منفيين.. اطلقوا لسانهم في شتم الملك... فأقنعوه بضرورة الالتحاق بالثورة من غير أن يسالهم عن أي ثورة يقصدون، وحين تورط في الشتم، وسجلوا للأمة في الراديو والجرائد، أفهموه أنها ثورة (الشعب الصحراوي)... (143)
ولو كلف السارد نفسه قراءة (الاختيار الثوري) مجلة الفيصل الذي يتحدث عنه لكان له الرأي الىخر من جناح البصري والمنفصلين عنه، لكن السارد شارد اختار المنحدر الاملس للورطة: (... حلمه بعيد المنال بعد الورطة الصحراوية التي بدا
انها لم تعد عليه هو بالذات بنفع كبير، فيما كان لها انصار أعاشتهم في بحبوحة... إلى أن أعلن التوبة في رسالة جماعية وقعها لهم بالعودة، إلا أنه هو ظل هنا يواصل كفاحه المعلوم حتى إن بعض رفاقه القدامى شككوا في سبب البقاء فذهبوا أنه أصبح يعمل عينا ومن هذا يتعيش... رغم أنه كان بينهم من يعمل مخبرا لدى مصالح معلومة (144) وسواء كان (عبد الغني) – أجد (عبد الغنيين): الاول توفي في المنفى الخارجي والىخر ملتحقا بالمنفى الداخلي وأخيرا بالوردة – فإن (البحبوحة) التي يتحدث عنها السارد تشبه (التوبة) الرسمية، فاين متخيل الرواية، فشتان بين رواية الطاهر بنجلون وهو يستعيد حكي (عزيز بنبين) ورواية المديني التي تركب فوق احداث كبرى، أريد لها التقزيم ومسايرة الوجهة الرسمية لنشرة اخبار مسائية تقدم احداث (مولاي بوعزة) من منظور مؤرخ ممالك المسالك: ( 1973... في تلك السنة البعيدة، حدثت حركة مسلحة في شهر مارس بمنطقة من الأطلس، احتل متمردون مركز الدرك في بلدة مولاي بوعزة واستولوا على أسلحته... وكانوا يظنون أن فتيل الثورة يشتعل لاول رصاصة تطلق، والبلاد ستسقط كلها ثمرة عفنة في أيديهم، وهكذا وداعا للنظام/ المستبد... لكن وكما تقول المحفوظة المدرسية ( أهم ثعلب فأكل الحمائم)... ولم يفلت إلا قليل...) (150)
فلا كتابات (الديوري) ولا (بنونة الإبن)) استطاعت إسعاف الروائي كما لو كان خطاب الإدانة أقرب إلى حبل وريد السرديات من الوعي الشقي للمهزومين بعيون بصيرة وأيد قصيرة، كانت تعبر عن مرحلة غليان أصاب القمع بشظاياه أخضره ويابسه.
لكن اختيار السهل الممتنع كان مطية السارد الذي فضل الرواية على التاريخ.
(يتحول مباشرة... إلى عضو في شبكة انقلابية هدفها الإطاحة بالنظام الملكي والمس بالامن العام.
لمزابي، المدرس المسالم في إعدادية النجاح بلدة الخنيفرة الناعسة في الأطلس المتوسط، هو الذي لم ينتسب إلى أي حزب سياسي ويكتفي بلع غصصه..) (151)
متسللا من الحدود الشرقية إلى الجزائر ففرنسا، كما لو كانت رحلة سياحية. ومجرد استجمام لمن أصابه مس وكان عليه ان يحاكم ذاته لإرضاء جلد الذات في الرواية (... ولم تؤد أنت الثمن يا المزابي، هربت مذعورا تاركا غيرك يحصد الرصاص...) (154)
في مستقبل الأيام صارت الجزائر معبرا، وباريس كانت ما تزال تستقبل المضطهدين، فحج إليها مع آخرين..ثم ما لبث أن راح ينفصل.. لينتهي إلى حزب لا يقبل أعضاء غير صاحبه)..
فهل كانت ظروف الفترة تسمح بترف الاختيار في عوالم الأحوال الاستثنائية؟ التي لم تكن تسمح باكثر من ترديد أغنية حب (جان باتيست كليمون) بعيدا عن جمر الأطلس (لم يعرف جماعة مولاي بوعزة إلا في باريس... تعرف عليهم في الجزائر وقد وفروا له مساعدة مالية أعانته.. فيما بعد سيفطن أن هناك متسللين في كا الحركات والصفوف) 161
فهل كان في مغرب الفترة انتفاضة واحدة؟ وهل من الخطيئة أن تفشل الثورات؟ (استغرابه اختيار منطقة معزولة .. لتفجير ثورة ..ساجلهم بقوة، واستفزهم فسخروا منه وهم يستلقون عاليا جبال اوهامهم، ومنهم راح يكبر فيه مرض المنفى) 162
فهل كان الناس يستلقون جبال أوهامهم بمحض إرادتهم؟ ألم يكن القمع مفجرا لكل المآسي؟ وإلا لماذا أقام النظام هيئة (الانصاف والمصالحة)؟ إذا كان كل ذلك التاريخ مجرد أوهام يتسلقها المهمشون؟
ما دام الروائي لا يتسلق غير جبل الذكرى الانتقائية في لعبة الرابح الخاسر والخاسر الرابح، لتلك الأيام التي نداولها بين الناس.. فمن السهل إدانة التاريخ والانتصار للرواية، كما لو كانت انتفاضات الشعوب مجرد هلاوس تحقق مجد عصابات تسبح في نزق الشعارات الاعتباطية.. ألم تكن انتفاضة المغربة ضد الاستعمار من الضواحي؟ حتى نركب الخطاب الرسمي:
محال أن يبدأ مجتمع جديد من ضواحي خنيفرة. وبماذا؟ بالهجوم على ثكنة للدرك والاستيلاء على بضع بنادق وجيوب محشوة بالدولارات...)
إن النقد الذاتي للمرحلة لم يعف الروائي من نبش الجرح بقلم مدادي، ينوب عن الدولة في كتابة التاريخ الرسمي بطابع الإدانة المجانية) 172
(... الذين قاموا بعملية مولاي بوعزة هم قوم مجانين، إذ لو كانوا عقالا لما خرقوا الإسلام الفطري بالتزام الطاعة الذي يرضي الجميع 170
فهل تعقلت الرواية وهي تتحدث عن (الجنون/ الالتزام الطاعة) لفترة أو فقيرية عمياء؟ لماذا لم تدن الرواية قمع هؤلاء واقتصرت على إدانة انتفاضات الحالمين بالتغيير والاستقرار في منافيهم الداخلية .. وحتى حلم العودة إلى هاته المنافي كان مدانا في الرواية:
(لم يكن وحده يردد هذا الكلام.. سمعت من يتهامس... عن رجوع قريب... خاصة بين أفراد بداول يشيخون في منفاهم أو ممن اكتشفوا أن آخرين في الداخل يتحدثون ويفاوضون باسمهم، وبحساب عذابهم الماضي يمكن ان يحصلوا على غنيمة الحكم.
وكنت أعرف بعض هؤلاء ممن يقضون حياة شبه متعطلة وهم يتلقون مساعدات مالية من سفارات عربية، والمتهمين عن حق أو خطأ في الانتفاضة المزعومة لقرية مولاي بوعزة)
206 . ولان السارد الواقعي يحرص على وضع كل الانتفاضات في كفة واحدة، فهو لا يتوانى عن نبش انتفاضة الصخيرات بنفس المنظور الرسمي، متناسيا وعي الكتابة العالمة ومعنى التغيير والإحباط لصالح إدانة مجانية: (وانفجر في داخلي سؤال مفاجئ: هل هكذا يحدث التغيير الذي نحلم به حين نجتمع في خلايانا الطلابية.. لم أكن أتحمس كثيرا لاندفاع زملائي في الكلية.. بأن لا سبيل لردع العنف إلا بالعنف.. ولكم تمنيت لو التقيت الآن أي واحد من هؤلاء لأسأله هل هؤلاء الفتيان فوق السطوح، وضباطهم الذين لا شك أفسدوا على الملك في الصخيرات احتفال عيد ميلاده هم الذين سيحققون لنا ثورتنا نحن الذين كان لنا بطلان، واحد اختطفوه في باريس 1965، وقتلوه.
المهدي.. والثاني مات حسرة في 1969 بعد أن هزمنا بني أسرائيل تلك الهزيمة الشنعاء يونيو 1967 جمال عبد الناصر...) (176/27)
فالسارد (الناصري) و (البركوي) يقيم محاكمته دون (إنصاف ولا مصالحة)، لكن المفارقة تبلغ شأوها حين تتحول قضية المغاربة والمشارقة إلى شعار قومي لتصبح فيه البطلة (هاء) الشرقية اللبنانية رمزا آخر للانعتاق والتمازج الطلابي لتطارح الآهات الزغبية وتبادل الانخاب الباريسية: ( قبل عشر سنوات بالضبط، كانت هي والرفيقات والرفاق، وغانم يصخبون في ألسان ميدار.. ليشربوا.. نخب نيلها لدبلوم الهندسة العالي).
..شلة المغربة الذين أصبحوا شعبها، وهو يقول لها إن المشارقة غدوا شعبة الجديد. الشعبان معا مع شعوب عديدة... (محتفلين) بنجاح.. فرانسوا ميتران...) (71/72) وهكذا توحد (الأنخاب/ ميتران/ الشهادات) بين المشرق والمغرب. لينخرط السارد في تحويل مغامرة جنسية مع (الهاء) إلى مربط فرس فروسية أخرى بطعم الصور الخاطئة التي كان فيها المغاربة يعرفون الشرق ويستلهمونه أي مجرد جاهلين بخرائط طرقه في الرواية لانخداعهم بالمقروء، لان من يرى (المعيدي) خير من أن يسمع به:
(إنكم المغاربة لا تعرفون عنا شيئا تقريبا: تقرؤون أخبارنا في الصحف، وهذا أفضل لكم، خير لكم أن تبقوا في قصصكم مع الملك. فالملوك خير من العصابات والميلشيات، شريطة أن لا يتحولوا إلى رؤساء لها..) (104)
وبذلك تتغير المعادلة: (فملك جمهوري) خير من (جمهوري ملكي)، لان المقارنة بين المغرب ولبنان خدعة أخرى لتدعيم أطروحة (الاستقرار / النعمة/ القصص). إذا كانوا (في لبنان يأكلون بعضهم البعض) فإنهم في المغرب يتدفأون بنار (السلطة.. التي تخرج لهم فيقتلهم الجنود)، وأي الجحيمين أحلى لتدفئة (هاء): ( هل جننت يا هاء لتفقدي كل يقين من هناك وتتعلقين بلا يقين آخر. أنت وهو تلتقيان في زمن هارب محجوز بين قوسين في زمن الآخرين) (89)
لكن العلاقة في البلدة المحايدة باريس تتخذ لها نكهة بطعم (الجنس/ المطاعم/ الموسيقى) وروح شاوية (بوشعيب البيضاوي/ فاطمة بنت الحسين) بطابق خامس يطل على عوالم المناضلين الغارقين في معادلاتهم حتى النخاع، كما لو كان السرال المشرقي يلاحقهم: (شوعم تعمل هون، شو جابك لهون يازامي؟) (70)
إن البطلة (هاء) ترضع من حلاوة المغامرة ومرارة الهندسة بحثا عن بوصلة وجدود: (هذه ورطة.. هل جئت على باريس هربا من الحرب. أم لأتعلم الهندسة، أم لتهييج مشاعري وحواسي مع مغربي من أقصى الأرض..) (65)
وهكذا يتحول المغربة والعرب في باريس إلى (متعجلين / نزقين) مجرد (أبطال لأشباح) يفضلون ميتة بباريس على حياة بالمنفى الثاني.. يتساقط فيها الأبطال الواحد تلو الآخر، ولا يحتفظ فيها السارد بغير ضفتي سرد حياد – على شاكلة (جوليان غرين) لكن بمفارقات سارد في حالة حياد: ( وعودته المتكررة إلى باريس يقصد منها الحفاظ على سكينته الداخلية، ثم البقاء في حياد إزاء المجتمع) الذي يعيش فيه بين أقوام يقتسم معهم جبرا بطاقة التعريف الوطنية..) (133/134) لتعش (البطاقة الوطنية) إذن !
وفي انتظار تغيير (الوردة) شعارا بـ(شقائق النعمان) أو (وجود وعدم) نقفز (هوب) لينتهي كل شيء مع (يوسف الذهبي) او (عمر البصير)، لتبقى باريس في الخارج والمنفى الثاني عبارة عن فجوة قائمة بين وجدود وعدم سارتر.. وبطاقة وطنية جبرية..
وبما أن قراء الرواية في حاجة إلى نهاية سعيدة، تفرج كربتهم، فلا بأس من بقاء السارد هنا لإعلان انتصاره على (ابن خطيب) ظهر المهراز و(جوليان غرين) باريس، بإصدار قهقهة قلبية، ضحكا على كل المخدوعين، الذين لم يجربوا كتابة الرواية كخلاص (سعيد. اسعد): (حسنا فعلت ان بقيت هنا.
- وأنت أيضا فعلت حسنا إذ عدت، لتفلت من ضياعنا
- لا أرى هدى في أي مكان.ز إنما، هي مصائر..
- على الأقل هو مصير واضح بلا اوهام..
- تقصد بلا أكاذيب، \ان أصحابنا أولئك
- انت في ثباتك اللانهائي، وأنا في حيادي الموضوعي، رغم كل المرارات ربحنا أنفسنا
- تعني ان الآخرين خسروا انفسهم وربحوا الهياء) (255) فهل هي لعبة (الرابح الخاسر) و(الخاسر الرابح؟) أم إعلان الحداد العام؟ (نحن يا صديقة، بعد ان ربح الرابحون وخسر الخاسرون ومات من مات هدرا أو حقا، نحن...نحن – نحن نعلن النعي الأخير، مثل المسيح في العشاء الاخير) (256) وهكذا يصلب مسيح المسلمين وهو يلقي حكمته على كل مناضلي (الإنصاف والمصافحة)... ! وهم يرددون مع السارد انجيل مرقش – لا براقش - (قال يسوع الحق أقول لكم عن واحدا منكم يسلمني.ز واحدا من الإثنى عشر الذي يغمس معي في الصفحة.. والويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الإسنان. كان خير لذلك الرجل لو لم يولد) (257)
ويصدق ذلك على السارد كما على كل العقائديات الروائية.

 

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008