(الشرطة
الخاصة المخفية الوجه) وسادية الاخوان في حربهم الصليبية.
لا شك ان بنمالك كان أحد الوجوه البارزة في إصدارات الموسم الروائي،
وهو يرسم لوحة لنصف قرن من حياة جزائره التي افتقدت البوصلة والذاكرة مع،
لحد ان كلمة سلام لم تعد تعني لديها شيئا.
فالمتخيل في رواية (افتراق العشاق) يذكرنا فقط بكتابات الطاهر جاعوط،
بل يجعل كل التحاليل البيرة مجرد كسوفات، تحاول إعطاء معنى للحقد الذي
لحق بوطن كامل، منذ بداية حرب التحرير إلى زمن القمع الاعمى، كما لو كان
التاريخ يعيد نفسه، حيث لم يعد الأذان كافيا للتخفيف من وقعه. فحبكة
الروائي الفولنيري، كما يحلو للنقد الصحافي إطلاقه على الكاتب الجزائري،
تجعل من هذا الاخير ينطلق من تساؤل حائر عن هوية الشيطان الذي يدفع امة
بكاملها نحو شيخوختها. فالمصيبة ممكنة الحدوث في أي وقت، لتصيب بشظاياها
الاوروبيين والجزائريين على السواء. فنصر الدين البطل القادم من الاوراس
يتزوج الألزاسية (انا) التي تنجب له المهدي ومريم دون أن يعرف أن الأقدار
بالمرصاد لسعاته. إذ بعد اعتقاله يقتل طفلاه بدعوى خيانته للثورة، ليبدأ
العد العكسي مع انتكاسة الثورة وظهور حركة اسلاموية تراوح بين تيار
الرجعية ومواجهة ليبرالية راح ضحيتها عشرات الكتاب وآلاف الأبرياء.
لا يكتفي بنمالك برصد الحس المأساوي، بل يمنح عمله بعدا غنائيا
وفجائعيا لعلاقات مستحيلة مع الآخر: اورطة والخلاص.
فإذا كانت مليكة مقدم كاتبة (المنع) و (الرجال المشاة) قد اختارت نقل
بطلتها عبر بيوت الطين في قلب الصحاري بعيدا عن الغضب الاعمى، فذلك لأنها
تبحث عن ذرة حُبً بين رمال الصحراء. وهي مع ليلى مروان الصحافية التي
اختارت الهجرة إلى فرنسا كما اختارت القالب الروائي بإصدار روايتين
لإدانة تقاليد تبعية المرأة وتشييئها في وسط جزائري يمارس قمعه الذاتي
قبل ان تقمعه السياسة والذين.
على حين يراوح كريم سروب في رواية (طل الذات) بين التحرر من السجن لكي
تصيبه شظايا قنيلة عمياء وتدفع بطله إلى إعلان تنصله من دينه وجنسه معا
كرد فعل اعمى ضد فعل اعمى ضد فعل مجاني أكثر عماء، لكن أقل هاته الاعمال
أهمية إصدار بول اسماعيل لـ(كازا لاكازا) التي تجعل من موضوعها الجيل
الثاني لجزائري فرنسا.
وعلى خلاف ذلك تتوفق ياسمينة خضرا في رواية (خرفان الله) أمام ديكور
خاص لروايتها حيث تقف عند قرية صغيرة لرعي خرفان الله، وهي قصة تشد إليها
قارئها بوضوح رؤيتها التي تصف الوالي المرتشي والشرطي الشرعي والفلاح
القدري وسط فضاء يغرق في رعب موحش، يتواجه فيه أصدقاء الأمس برفاق
طفولتهم. إذ تقدم أمة المؤمنين لمواطنيها فرصة انتقام رمزي لمعذبي أرضها،
من خلال إثارة أجواء الهلع التي تثيرها في الآخرين، فالمعلم الذي يصاب
بخيبة حب يدخل في حركة جهاد أفغاني، كما يلج نفس العالم حدًاد القرية
لرفع لعنة الاحتقار التي أصابت والده، ليقرر غسلها بالدم. فالبؤس لا
يعتقد في السلم، وهو ما يفسر التقاتل العشوائي.
فالجزائر تستدعي اليوم نفس ردود فعل الرفض في البوسنة ورواندا، لحد
اننا لم نعد نسمع اكثر من تعليقات لامبالية: إذا كانت للجزائريين رغبة في
التقاتل فيما بينهم، فهذا مشكل يخصهم بالدرجة الاولى. ومع ذلك تكشف رواية
(خرفان الله) عن حب للحياةتلتقي فيه ياسمينة خضرا مع أنو بنمالك، الذي
يجعل من ساحرته تتحدث بالحكمة الغائبة: سترى كيف ان الحياة غريبة يا بني،
فحتى في أحلك الأوقات، فانت لا تعافها، لانها كالماء المالح، فالحياة
بقدر ما تقبل عليها بقدر ما تظما إليها.
وعلى خلاف الروائيين الجزائريين الذين وجدوا في جزائرهم موضوع رواية
مكتملة، يراوح الروائي المغربي الفرانكفوني بين تحقيق الذات والمسار مع
ىخر رواية لإدريس الشرايبي الذي حضر خلال شهر اكتوبر إلى المغرب للإعلان
عن مولده في حركة للمقروء والمشاهد والمسموع، على حين لم تلق رواية (ظل
الصمت)
(قاسم)
المثقف اليساري كما لو كان العالم قد افتقد رزانته المعهودة وسلم نفسه
للشيطان.
وهذا الشيطان بالذات هو ما سيركب صهوته كاتب من الدرجة العاشرة، والذي
سيجعل من عرائه وشذوذه موضوع كتاباته الفرانكفونية، إنه رشيد. أو في
رواية (شوكولا ساخنة) التي صدرت عن دار غاليمار (1998) وفي هذا العمل
الثالث لهذا الكاتب الصعلوك نجد الطابع السير – ذاتي العرائي يدفع بصاحبه
إلى رفض لقبه العائلي واستبداله بـ(أو) لشعوره بحرج شذوذه الجنسي في
مجتمعه الاسلامي، حتى وان أسرته على علم بشوذوذه، وهو ما لا يضايق رشيد.
أو، ورغم ان المغرب تغيرت فيه أشياء كثيرة، إلا انه يظل في نظر الكاتب
بلدا أحادي النزعة، حيث يظل موضوع الجنس موضوعا يتناول بتقية داخل الأسرة.
فرشيد آخر الاخوة السبعة لأسرته، وسيكون موضوع روايته موت والدته في (شوكولا
ساخنة) لكن رضيد يترك الأسرة في سن مبكرة ليعيش في أحضان مدرس فرنسي في
الأربعين وأب لطفلين. وفي هذا الوقت بالذات يفهم بطل السيرة الذاتية
وكاتبها ان جادبيته تتجه إلى ما هو بعيد وما يتطلب مجهودا لبلوغه، بما في
ذلك افتتانه باللغة الفرنسية، ففي بيت أسرته كان الجميع يتحدثون العربية.
أما الفرنسية فكانت تتسرب إليه من التلفاز والأفلام. فبقدر ما يتقدم في
السن بقدر ما يكتشف ان حلمه ينزع نحو فرنسا، لقد كان الشذوذ مضاعفا عند
شبه – الكاتب، الذي يتحقق تطلعه إلى إلحاق بفرنسا في العقد الثاني من
عمره. وفي سنة 1994 يكتب الطالب الجامعي بمراكش روايته الأولى عن حياة
شاب مغربي، لم يكن مهاجرا ولا فقيرا ولا أميرا، لكنه مجرد شاب يحكي
يومياته العارية في تفاصيلها، ببعد اثنولوجي جديد على القارئ الاوروبي،
إذ دون علمه سيقدم أحد أصدقائه نصه الأول إلى فيليب سوليرس لينشره في
مجلته (لانفيني وقد طالبه الكاتب الناشر بنصوص أخرى من بينها مجموعة
قصصية، مما أبط صدر رشيد، الذي كان يحس أنه قريب من الادب والموسيقى، كما
يسعى إلى ان يكون ممثلا قبل ان يكون قصاصا بمجموعته (الطفل المبهور)
(1995) الصادرة عن نفس دار غاليمار، حتى وهو يجد صعوبة في قراءة عمله، إذ
يحس أن حكاياته عليها ان تقرأ بصوت منخفض وحميمي، لأنها لا تحتمل إعادة
قراءتها.
وبالنسبة للكتاب الثاني له والأوتوبيوغرافي (حيوات عديدة) (1996)
الصادر عن دار غاليمار كذلك، فقد اكتسب ثقته وتنظيمه ووعيه بأسلوبه
العرائي. وبذلك يتم التحول في كتابه شبه – الكاتب إلى بكاء امه وهو يحتسي
الشوكولا الساخنة هذا المشروب الفرنسي بامتياز، والذي طالما حلم به كرمز
يجذبه إليه بعيدا عن وطنه والناس الذين يحبهم، وهو بين عالمين وثقافتين،
ورغم معاناته من عدم الاستقرار في استقراره الهادئ، لان اغتناءه لم يكن
تمزقا كما في كتابته السابقة، ولان عمله ينتهي بنوستالجية العودة إلى
المغرب، حيث تنتظره أسئلة عديدة يجيب عنها بغرقه في التسلية وانتشائه
بسعادة والده...
ويظهر ان قراءة أنطوان دوكامار لرواية رشيد، أو, كانت آثمة لعمل دون
هوية ولا ثقافة سوى إعلان العراء باعترافات تجاوزت المدرسة الطنطاوية
باعمالها ومريديها، نحو تأسيس مدرسة مراكشية لا ترقى إلى كتابات الاسباني
غوتيسولو، ولا تستطيع حتى التشبه بها...
فهل يشفع الاختيار الأولي لرواية (شوكولا ساخنة) من بين مرشحي جائزة
ميديسي الفرنسية لحيازة اعتراف المغاربة باحد شواذهم الفرانكلونيين
النكرات داخل المغرب...