نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية

د. سعيد علـوش

اللافت للانتباه في حصاد موسم دور النشر الفرنسية هو هجرة كثيفة للروائيين الجزائريين نحو فرنسا وظهور جيل جديد من الكتاب على الضفة الاخرى من المتوسط كتعبير عن إذانة واقع جزائري، دون ان تكون الكتابة محايدة في تعاملها مع عنف الداخل. وضد تيار الاسلاموية، حيث يرسم الخيال الادبي بقوة حدود وطن غارق في حزنه العميق. فليست الأجواء أجواء وطًار في (الشمعة والدهاليز) كما انها ليست اجواء جيل كاتب ياسين والميموني وبوجدرة وديب، بل أجواء جيل جديد يحتل واجهة المكتبات الفرنسية عبر أسماء ليلى ومروان في رواية (المختطفون) وكريم سروب في (خيال الذات) وبول اسماعيل في (كازا لاكازا) ومليكة مقدم في (ليل العظاية)، وياسمينة خضرا في (خرفان الله) أخيرا مع انور بنمالك في (افتراق العشاق) الذي اعتبر فولكنر الجزائر عند نقاد الدوريات. أما الحصيلة التونسية والمغربية فتظهر هزيلة بالنسبة لجارتها الجزائر، فباستثناء اعمال المغربة ادريس الشرايبي ورشيد أو ، ومصطفى الهاشمي وترجمة اللعبي لعمل سوري وترجمة فرنسيين لا شعار فدوى طوقان تظل الحصيلة العربية المترجمة ضئيلة إن لم نقل انها ضحلة.

ويظهرأن نجم الموسم الروائي الفرانكفوني هو أنو بنمالك في رواية (افتراق العشاق)التي اختيرت من بين الاعمال المرشحة لجائزة ميديسي الادبية، واطلق على صاحبها فولكنر لابحر الأبيض المتوسط، وهو تقديم لم يخط به الكثير من سابقيه، فهل هي محض مبالغة صحافية للترويج والدعاية والعمياء؟ ام انها لحظة توهج في ليل حالك، حيث استطاع بنمالك نقل فضائع النينجا (الشرطة الخاصة المخفية الوجه) وسادية الاخوان في حربهم الصليبية.

لا شك ان بنمالك كان أحد الوجوه البارزة في إصدارات الموسم الروائي، وهو يرسم لوحة لنصف قرن من حياة جزائره التي افتقدت البوصلة والذاكرة مع، لحد ان كلمة سلام لم تعد تعني لديها شيئا.

فالمتخيل في رواية (افتراق العشاق) يذكرنا فقط بكتابات الطاهر جاعوط، بل يجعل كل التحاليل البيرة مجرد كسوفات، تحاول إعطاء معنى للحقد الذي لحق بوطن كامل، منذ بداية حرب التحرير إلى زمن القمع الاعمى، كما لو كان التاريخ يعيد نفسه، حيث لم يعد الأذان كافيا للتخفيف من وقعه. فحبكة الروائي الفولنيري، كما يحلو للنقد الصحافي إطلاقه على الكاتب الجزائري، تجعل من هذا الاخير ينطلق من تساؤل حائر عن هوية الشيطان الذي يدفع امة بكاملها نحو شيخوختها. فالمصيبة ممكنة الحدوث في أي وقت، لتصيب بشظاياها الاوروبيين والجزائريين على السواء. فنصر الدين البطل القادم من الاوراس يتزوج الألزاسية (انا) التي تنجب له المهدي ومريم دون أن يعرف أن الأقدار بالمرصاد لسعاته. إذ بعد اعتقاله يقتل طفلاه بدعوى خيانته للثورة، ليبدأ العد العكسي مع انتكاسة الثورة وظهور حركة اسلاموية تراوح بين تيار الرجعية ومواجهة ليبرالية راح ضحيتها عشرات الكتاب وآلاف الأبرياء.

لا يكتفي بنمالك برصد الحس المأساوي، بل يمنح عمله بعدا غنائيا وفجائعيا لعلاقات مستحيلة مع الآخر: اورطة والخلاص.

فإذا كانت مليكة مقدم كاتبة (المنع) و (الرجال المشاة) قد اختارت نقل بطلتها عبر بيوت الطين في قلب الصحاري بعيدا عن الغضب الاعمى، فذلك لأنها تبحث عن ذرة حُبً بين رمال الصحراء. وهي مع ليلى مروان الصحافية التي اختارت الهجرة إلى فرنسا كما اختارت القالب الروائي بإصدار روايتين لإدانة تقاليد تبعية المرأة وتشييئها في وسط جزائري يمارس قمعه الذاتي قبل ان تقمعه السياسة والذين.

على حين يراوح كريم سروب في رواية (طل الذات) بين التحرر من السجن لكي تصيبه شظايا قنيلة عمياء وتدفع بطله إلى إعلان تنصله من دينه وجنسه معا كرد فعل اعمى ضد فعل اعمى ضد فعل مجاني أكثر عماء، لكن أقل هاته الاعمال أهمية إصدار بول اسماعيل لـ(كازا لاكازا) التي تجعل من موضوعها الجيل الثاني لجزائري فرنسا.

وعلى خلاف ذلك تتوفق ياسمينة خضرا في رواية (خرفان الله) أمام ديكور خاص لروايتها حيث تقف عند قرية صغيرة لرعي خرفان الله، وهي قصة تشد إليها قارئها بوضوح رؤيتها التي تصف الوالي المرتشي والشرطي الشرعي والفلاح القدري وسط فضاء يغرق في رعب موحش، يتواجه فيه أصدقاء الأمس برفاق طفولتهم. إذ تقدم أمة المؤمنين لمواطنيها فرصة انتقام رمزي لمعذبي أرضها، من خلال إثارة أجواء الهلع التي تثيرها في الآخرين، فالمعلم الذي يصاب بخيبة حب يدخل في حركة جهاد أفغاني، كما يلج نفس العالم حدًاد القرية لرفع لعنة الاحتقار التي أصابت والده، ليقرر غسلها بالدم. فالبؤس لا يعتقد في السلم، وهو ما يفسر التقاتل العشوائي.

فالجزائر تستدعي اليوم نفس ردود فعل الرفض في البوسنة ورواندا، لحد اننا لم نعد نسمع اكثر من تعليقات لامبالية: إذا كانت للجزائريين رغبة في التقاتل فيما بينهم، فهذا مشكل يخصهم بالدرجة الاولى. ومع ذلك تكشف رواية (خرفان الله) عن حب للحياةتلتقي فيه ياسمينة خضرا مع أنو بنمالك، الذي يجعل من ساحرته تتحدث بالحكمة الغائبة: سترى كيف ان الحياة غريبة يا بني، فحتى في أحلك الأوقات، فانت لا تعافها، لانها كالماء المالح، فالحياة بقدر ما تقبل عليها بقدر ما تظما إليها.

وعلى خلاف الروائيين الجزائريين الذين وجدوا في جزائرهم موضوع رواية مكتملة، يراوح الروائي المغربي الفرانكفوني بين تحقيق الذات والمسار مع ىخر رواية لإدريس الشرايبي الذي حضر خلال شهر اكتوبر إلى المغرب للإعلان عن مولده في حركة للمقروء والمشاهد والمسموع، على حين لم تلق رواية (ظل الصمت)لمصطفى الهاشمي الصادرة عن لارماتان سوى صدى عمودين في قصاصة جريدة يومية تختزل مسارها في ثورة مثقف يساري يغادر السجن ويحرق كتبه ليدين مفارقة ينفتح فيها العالم للرعاة والوصوليين بينما يوصد أبوابه على (قاسم) المثقف اليساري كما لو كان العالم قد افتقد رزانته المعهودة وسلم نفسه للشيطان.

وهذا الشيطان بالذات هو ما سيركب صهوته كاتب من الدرجة العاشرة، والذي سيجعل من عرائه وشذوذه موضوع كتاباته الفرانكفونية، إنه رشيد. أو في رواية (شوكولا ساخنة) التي صدرت عن دار غاليمار (1998) وفي هذا العمل الثالث لهذا الكاتب الصعلوك نجد الطابع السير – ذاتي العرائي يدفع بصاحبه إلى رفض لقبه العائلي واستبداله بـ(أو) لشعوره بحرج شذوذه الجنسي في مجتمعه الاسلامي، حتى وان أسرته على علم بشوذوذه، وهو ما لا يضايق رشيد. أو، ورغم ان المغرب تغيرت فيه أشياء كثيرة، إلا انه يظل في نظر الكاتب بلدا أحادي النزعة، حيث يظل موضوع الجنس موضوعا يتناول بتقية داخل الأسرة. فرشيد آخر الاخوة السبعة لأسرته، وسيكون موضوع روايته موت والدته في (شوكولا ساخنة) لكن رضيد يترك الأسرة في سن مبكرة ليعيش في أحضان مدرس فرنسي في الأربعين وأب لطفلين. وفي هذا الوقت بالذات يفهم بطل السيرة الذاتية وكاتبها ان جادبيته تتجه إلى ما هو بعيد وما يتطلب مجهودا لبلوغه، بما في ذلك افتتانه باللغة الفرنسية، ففي بيت أسرته كان الجميع يتحدثون العربية. أما الفرنسية فكانت تتسرب إليه من التلفاز والأفلام. فبقدر ما يتقدم في السن بقدر ما يكتشف ان حلمه ينزع نحو فرنسا، لقد كان الشذوذ مضاعفا عند شبه – الكاتب، الذي يتحقق تطلعه إلى إلحاق بفرنسا في العقد الثاني من عمره. وفي سنة 1994 يكتب الطالب الجامعي بمراكش روايته الأولى عن حياة شاب مغربي، لم يكن مهاجرا ولا فقيرا ولا أميرا، لكنه مجرد شاب يحكي يومياته العارية في تفاصيلها، ببعد اثنولوجي جديد على القارئ الاوروبي، إذ دون علمه سيقدم أحد أصدقائه نصه الأول إلى فيليب سوليرس لينشره في مجلته (لانفيني وقد طالبه الكاتب الناشر بنصوص أخرى من بينها مجموعة قصصية، مما أبط صدر رشيد، الذي كان يحس أنه قريب من الادب والموسيقى، كما يسعى إلى ان يكون ممثلا قبل ان يكون قصاصا بمجموعته (الطفل المبهور) (1995) الصادرة عن نفس دار غاليمار، حتى وهو يجد صعوبة في قراءة عمله، إذ يحس أن حكاياته عليها ان تقرأ بصوت منخفض وحميمي، لأنها لا تحتمل إعادة قراءتها.

وبالنسبة للكتاب الثاني له والأوتوبيوغرافي (حيوات عديدة) (1996) الصادر عن دار غاليمار كذلك، فقد اكتسب ثقته وتنظيمه ووعيه بأسلوبه العرائي. وبذلك يتم التحول في كتابه شبه – الكاتب إلى بكاء امه وهو يحتسي الشوكولا الساخنة هذا المشروب الفرنسي بامتياز، والذي طالما حلم به كرمز يجذبه إليه بعيدا عن وطنه والناس الذين يحبهم، وهو بين عالمين وثقافتين، ورغم معاناته من عدم الاستقرار في استقراره الهادئ، لان اغتناءه لم يكن تمزقا كما في كتابته السابقة، ولان عمله ينتهي بنوستالجية العودة إلى المغرب، حيث تنتظره أسئلة عديدة يجيب عنها بغرقه في التسلية وانتشائه بسعادة والده...

ويظهر ان قراءة أنطوان دوكامار لرواية رشيد، أو, كانت آثمة لعمل دون هوية ولا ثقافة سوى إعلان العراء باعترافات تجاوزت المدرسة الطنطاوية باعمالها ومريديها، نحو تأسيس مدرسة مراكشية لا ترقى إلى كتابات الاسباني غوتيسولو، ولا تستطيع حتى التشبه بها...

فهل يشفع الاختيار الأولي لرواية (شوكولا ساخنة) من بين مرشحي جائزة ميديسي الفرنسية لحيازة اعتراف المغاربة باحد شواذهم الفرانكلونيين النكرات داخل المغرب...؟

وفي مقابل هذا الشذوذ تترجم إلى الفرنسية اعمال المقاومة، حيث ينشر عبد اللطيف اللعبي ترجمة ديوان السوري المعتقل فرج بيرق دار (لا حي ولا ميت) كا تترجم جوزيف لاماوبنوا تادي(صرخة الحجر)لفدوى طوقان لاستكمال ترجمة مجلد سابق. وتاتي ترجمة اللعبي للشاعر السوري المعتقل في إطار حملة لإطلاق الشاعر القابع في السجون السورية لاكثر من عشر سنوات، وهو عضو في الرابطة الشيوعية، كاتب وصحافي ينتمي على الفئة العلوية التي تنتقد النظام السوري وسياسته في لبنان.

فالشاعر الحمصي نشر مجموعتين شعريتين ببيروت وهو من معتقلي الرأي الذين تبنتهم منظمة العفو الدولية ونادي القلم، وقد نشر ديوانه في فرنسا ليصادف زيارة الرئيس السوري إليها. ومن المفارقات ان يخص الشاعر بيرق دار قصيدة مطولة من أشعاره لشاعر إيراني معتقل بدوره منذ السبعينيات، وها هو اللعبي الذي قضى عشر سنوات بالسجن يترجم شاعرا يشبهه، فهو مهيأ لاحتضان رغبة الحرية التي تغنى بها الشاعر السوري الذي نظم مجموعته ما بين 1987 و 1993 متغنيا بجلاد بقلبين: واحد لصب حقده على الآخرين، والثاني لكراهية نفسه إلى ما لا نهاية...

سعيــــــد علوش

العلم الثقافـي، السبت 14 نونبر 1998

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008