نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

نساء ( لامانشا)
في شريط (فولفر) لبيدرو المودوفار (2006)
 


يخصص انطونيو ماتشادو ديوانا كاملا لنساء قرية لامانشا الاسبانيية بعنوان: (أغاني قشتالية)، يحتفي فيها بنسائها: (امرأة لامانشا قوية ولطيفة شابة نزيهة وزوجة مكتملة كل انشغالها ببيتها بيت أقل انغلاقا من اشبيلية لانه أقل من خدر وأقل من قصر، منه إلى قلعة).
فهل من قبيل الصدف ان يتقاسم الادب والسينما موضوع وفضاء لامانشا، ام أن أصول بيدرو المودوفار دفعته إلى اتباع خطى انطوان ماتشادو الشعرية، للاحتفاء بقريته المنسية، من خلال رسم صور تعايش ثلاثة أجيال نسوية:
- الامهات : الخالة أوغوستين/ الام رايين..
- البنات: رايموندا / سولي
- الأحفاد : باولا.
- وتتعايش الاجيال الثلاثة فيما بينها، لحد تصالحها مع اموات مدافنها، من اجل إدارة قرية لامانشا، المسكونة بلعنة لا احد يدرك سرها، باستثناء ثلاثة رجال هم: باكو، زوج ريموندا واب باولا بالتيني، قبل ان يحاول اغتصابها فتقتله، لتضعه أمها في ثلاجة.
- إميليوا الذي ترك مطعمه في عهدة ريموندا، مغادرا القرية.
- وكيل أعمال سينمائي، يعبر بالقرية لإنجاز لقطات لشريطه..
وكلهم في وضعية لا تؤهلهم للبح بالسر المكنون، في قلوب نسوة لامانشا، ويبدو ان مخرج الفيلم "بيدرو المودوفار"، لا يملك الرغبة للإخباء, بقدر ما تحدوه رغبة شعرية، تضاهي ديوان انطونيو ماتشادو. فاللقطات الكبرى تسلط الاضواء على أصغر جزء من صدر ريموندا – الذي جسدت دوره "بينيلوب كروز" ببراعة فائقة لغبراز مفاتن المراة الحديدية، لمرات عديدة لحد توجيه المشاهد إلى العوبة واغوتئية، فهي بمثابة قنبلة قابلة للتفجير في كل آن، كما انها بركان حمم تصدر من نظراتها الحارقة.
وتكشف رايموندا – التي يكاد يكون الفيلم فيلمها وحدها – عن طاقة كامنة، تتفجر عبر حركية بين رعاية ابنتها باولا، وغعالة الزوج العاطل، وازدياد تعقد حيلتها، الذي لا يزيدها إلا شعور بالقوة والحيوية، وهي في خدمة الصور المخادعة والماكرة لمخرج يسعى من ورائها على نوع من الانتقائية، وتبدو فيها البطلة صعبة المراس، كلما واجهن الحياة بشطارة فائقة لانها لا تريد الانهيار امام قلة ذات اليد، بل تسعى إلى تسيير مطعم رضع رهن إشارتها، فكان عليها ان تدخل مطبخه لتحضير الوجبات واستقبال الزبناء، لكن من حسن حظها ان نساء القرية يقرضنها كل ما تحتاجه، بل وسياعدنها في تدبير مصدر عيشها.
من ثم، يبدو ان سيناريو (فولفر) لا يقدم نفسه بطريقة كلاسيكية ، عبر تسلسل الأحداث، ولكنه يعكس أطروحته مركزا على المشاهد الحياتية، دون إلحاح على الطابع المأساوي في حياة نسوة لامانشا، خاصة وان ريموندا تتكتم على سر اغتصاب والدها لها وإنجابها منه لابنتها، التي تكون أختها، لولا تبني زوجها باكو للطفلة، في المراحل الاولى، ولولا مرواودته لها وحاولة اغتصابها في مرحلة مراهقتها لتنتهي المراودة بقتله، على خلاف تقبل والدتها للامر الواقع، إنه جيل الاحفاد الذي يرفض قدرية الامهات، لكن الحادث سيعيد ريموندا إلى الوراء لاستعادة النقطة السوداء في حيلاتها، لتتضامن مع ابنتها/ اختها، متبنية قتل الجسد بدل قتل النفس، بوضع باكو في ثلاجة في انتظار التخلص من جثته نهائيا.
ألم تقدم أمها إيرين بتصفية والدها وجارتها عندما ضبطتهما عاريين، لتختفي عن الانظار موهمة الجميع بموتها، بعد ان اختفت في بيت الخالة باولا، انتقاما لنفسها ولابنتها ريموندا، من زوج لا يراعي حرمة (البنت/ الجرا/ الزوجة)، زجرا لحيوانية حيوان لامانشا وضبطا لإيقاع علاقات التكافؤ التي كانت وراء مقتل باكو، عندما أراد التحلل من عقد التبني، لغحلال عقد التجني بدله.
لم تكن كل هذه اللحمة القصصية في صميم انشغالات بيدرو المودوفار، وهم يقدم حزن الرأس، لانه ارتأى أن في القلب بقايا من حب الحياة، حيث تحتل نساء لامانشا الحيز الكبير في الفيلم – الذي حاز على جائزة التشخيص النسوي في مهرجان كان (2006).
بالإضافة إلى جائزة السيناريو – ففي قرية لامانشا – البلد الأصلي للمخرج – يبدو جيل العجوز بولا، التي فقدت عقلها، متعايشا مع جيل ريموندا وسولي الاخوتين، وجيل باولا الحفيدة المللة، رغم ان الجيل الاول فقد عقله، لتظل النقطة السوداء في حياة ريموندا التي لم تحضر جنازتها، لتذكيرها ربما بجيل باولا البنت. الاخت والجنون المقنع، في قرية يحيطها اهلها بكل انواع الخرافات، خاصة حينما تهب عليها الرياح الأربع، لتغلفها بالغبار، وتشيع فيها الروح الشيطانية، التي أصابتها بلعنة هجر الرجال لها، وتشبث نسوتها بآخر خيوطها العنكبوتية، المسكونة بالموت، في اللقطة المعبرة التي تظهر فيها النسوة وهن يزحن ما علق بقبورها من غبار. لكنه غبار يصيب أو غيستينا الرائعة بالسرطان، الذي لا يحول دون إلحاحها على معرفة سر قتل والدتها على فراش والد ريموندا، ليغادر مطعمه، بعد أن اودع مفاتيحه عند ريموندا... ولان لامانشا لا ترحب غلا بالعابرين بها فسيحل بها وكيل أعمال فيلم لتصوير مشاهد القرية المسحورة، زارعا نظرات الإغواء في عيون ريموندا التي استضافت فريقه السينمائي، وأقامت لهم احتفالية غنت فيها مقاطع من شعر أنطوان ما تشادو، وبكت من الفرح الذي غادر القرية، وها هو يجمع نسوتها بالعالم الخارجي، لغبراز حيوية كامنة فيها. رغم احزان الرأس والقلب..ويبدو المخرج بهذا النوع من التبئير متلاعبا بتقنياته، لكشف لعب الصور المتدفقة، التي تعيد حبل الود بين ريموندا وظهور والدتها المتخفية، وهي تبكي فرحا من أغنية ابنتها، التي تتحسر على الزمن الضائع، في الزمن الأبدي، الذي يذكر بتصالح الاحياء من الأموات، لان التعايش وحده هو ما يعيد إلى الحياة ألقها، ما دامت العلاقات لا تنقطع، لان نسوة لامانشا تحملن المشعل المقدس للمكان، عبر تضافر أجيالهن، وهن يمنحن نكهة الحياة إلى الواقع، ببراءة ورقة متناهية، تضفي على عبث النار والهواء تهدئة الماء والتربة الباشلارية...
الا يدل عنوان الفيلم فولفر (VOLVER) على العودة والاستعادة للأحداث ليبدو التراجيدي والمأساوي مجرد كوميديا حياة مليئة بالثقوب السوداء، دون ان يحول ذلك بين نسوتها النزاعات إلى الاستمتاع بالضحك والطبخ وتبادل القبلات بصوت عال للتهنئة والتعزية، ما دامت حاسة الشم فيهن، تشي بحيوانية وعاطفية مفرطة، رغم غياب رجال القرية الفعلي وحضورهم الرمزي ككابوس يجثم على صدورهن، فهن لا يترددن عن إزاحته عنهن بالتخلص من جثثهم، التي غالبا ما توضع في ثلاجة، دلالة على الخلاص ببطء منهم، بتثليج مشاكلهم الساخنة...
ففليم فولفو يناشد عودتنا إلى لامانشا، حيث البيوت العتيقة، واللقاءات الدافئة وإدرادة مصالحة الأجيال فيما بينها كمفتاح تقدمه النساء للجال الفارين منها، فلاشيء كالعودة، حين يكون العود أحمد، فالعالم دون امرأة علم أشباح، فلا غرابة أن يعود أنطوان ماتشادو إلى الأغاني القشتالية، متغنيا بنسوتها: (لامنشا ونساؤها وكل نساء ما تحت الأرض وكل اللواتي كن وسيكن سعادة اطفال لامانشا وكل امهات اسبانيا فوق الارض هن معصرات وطاحونات وسحب المساء).

سعيد علوش 19 أكتوبر 2006

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008