نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

روايات عازف البيانو عشاق / المهمشون / ليست لا لفريدي جيلينيك

جائزة نوبل للآداب 2004

د. سعيد علـوش

حصلت الكاتبة النمساوية قبل نوبل على جائزة هينريش بول (1986) وبوشنر (1998) وهايني (2002) قبل أن تكلل كل أعمالها بنوبل آداب (2004).

والكاتبة النمساوية ولدت سنة 1946، وترعرعت بفيينا وعاشت بها، دون ان تركن إلى ليالي الأنس بفيينا، وهي التي درست الفن الدرامي وتاريخ الفن والموسيقى لتنتقل بسرعة إلى كتابة المسرح والرواية، فقد حولت أعمالها (المهمشون/ العشاق/ليست/ عازف البيانو) إلى أفلام سينمائية مع ميكائيل هانيكي.

إنها إذن اول كتابة جرمانية من جيل البوب، مما دفعها إلى اقتباس لغة رواياتها من عوالم جمهور، حيث لا يهيمن صوت الكتابة، من ثم تحمل رواية (العشاق) (1972) اثر تأملاتها في تراتبية الخطابات والالتزامالسياسي وفضح ميثاق الحياة اليومية وعنى الكذب الأبيض وتضخيم الذوات التلفزيونية، مما انعكس إلى تشاؤم ثقافي في (العشاق) على خلاف طوباوية اليسار النمساوي. من تم تعتمد الكتابة على شبه سرد تقليدي لشخصيات تندمج في البنيات الاجتماعية لنمسا ما بعد الحرب الثانية.

وستذهب الكتابة في رواية (ليست) (1989) بعيدا في محاولة اكتشاف استمرار الفاشية عبر وسائط بنيات أسرية وزوجية، لحد أن الرواية تكاد تكون محاولة لكتابة الجنس المؤنث، لكنها تتخلى عن ذلك لعدم امتلاكها للغة مؤنثة للمتعة والوقاحة، ومع ذلك فقد أثارت الرواية ضجة كبرى بسبب عنف نصها، الذي سبب ازعاجا للنمساويين.

وحين ظهرت رواية (عازف البيانو) (1983)اعتبرت سيرة ذاتية، ففيينا مدينة الموسيقى والفالز والتي تفتخر بموسيقييها وتقاليدها الفنية، ما هي إلا مدينة تعيش على غبار فنانين قدماء، وهو كشف لعنف ضد مسخ ايديولوجي متداول عبر مستنسخات وقوالب جاهزة، انتقدتها الرواية بشكل لاذع، جاعلة من ادبها أدب الفضلات، واضعة بذلك مسألة الهوية المعاصرة موضع تساؤل !

وغذا كانت الكاتبة النمساوية تنشر في هامبروغ، فقد استقبلت بحرارة في ألمانيا وبانزعاج شديد في النمسا نظرا لعنفها النصي الفاضح، ففي رواية (المهمشون) (1980) تقتبس الروائية موضوعها من الاحداث الطارئة، حتى وهي تعترف (انها لم تكن تريد كتابة مكونات فعل إجرامي، بل وضع بنيات لإبراز حالة قصوى) لشباب نمساوي يخجل من أوليائه ومساكنه ولم تساعدهم قراءتهم للوجودية إلا في سماع الموسيقى واقتناء لباس متفرد والتماهي مع غثيان روكانتان سارتر الذي كان يواجه رعب البطولة بالكتابة، بينما أبطال الكاتبة لا يملكون ما يواجهون به أنفسهم غير العبث، وبذلك تتخطى الكاتبة المقدسات، لتستفز النمساويين بل تذهب إلى حد الاعتداء عليهم، عبر لغة ولعب كلمات، لان أبطالها صنائع لأشباه مزيفين لا يتكلمون إلا اللغة المقتبسة عن مثقفين يداعبون الوجودية، كأشباه مناضلين في أحياء عمالية، حيث العنف والوقاحة والقمع..

وتبدو الكاتبة كسياسية لا بالمعنى النضالي، بل بمعنى البناء الموضوعاتي للعمل والفكر، فهي ملاحظة ناقدة لعلاقات: (السلطة/ المجتمع/الجنس/اللغة)موظفة في ذلك مساهمتها الانثوية في تحويل للبورنوغرافي إلى نقد راديكالي كمشروع مضاد لتاريخ العين عند باطاي...

لقد كانت تعتبر فلوبير المؤهل الوحيد للانحشار في جلد المقموع لكشف حقيقته المختلفة عن القامع، ثم، انتهجت في رواية (ليست) لغة مزدوجة للوقاحة، تلك التي تقول الوقاحة وتكشفها وتلك التي تختفي فيها الوقاحة.

وتعتبر الكاتبة أن الوقت حان لتتكلم اللغة عبر جدلية السيد والعبد الهيجيلية، وبذلك تترك شخصياتها تتكلم الشكل المجرد للغة الشعرية الهولدرينبة، بينما تتكلم الشخصيات المهيمنة لغة الاشهار والمستنسخات والامثال، في عكس للحالة، ومحالة تعرية الايديولوجيا السائدة في النمط الجمعي.

وبذلك تقدم رواية (ليست) محاكمة لممارسة السلطة، المتناقلة لاستمرارية البنيات الأسبوعية والسلوكات الاجتماعية المهيمنة، حتى وهي تحاول تكسير نمط الأسرة: الزواج. الزوجة/ الابن) بنمط (الزوجة/ العشق/ الزوج) فاستبدال الهيمنة بأخرى لا يحل الإشكال بل يعقده، وتعد رواية (ليست) كتابة جمالية وقحة بعنفها وأبويتها (السلطة/ المال/ الجنس)، وبذلك فهي تعري عنف البنيات المؤسساتية كأساس للعلاقات الاجتماعية، عبر مساءلة اللغة في شبه راديكالية، لحد أن الرواية قد لا تندمج في أي نوع، ما دامت بنية رواية القرن 19 تظهر الفرد سيد قدره الفردي، وقد أصبحت بذلك متجاوزة، إذ لا بد للقطيعة معها، وترك الأبطال يتكلمون لكي يحيوا ما داموا يحللون ميثات الحياة اليومية عبر تكسير للسرد لتعرية لغة الميثات ذاتها، وليس فقط محتوياتها، في لغة أقرب إلى الموسيقى منها إلى الأدب، لان الفر دانية أصبحت مستحيلة في النسق المغلق للرأسمالية.

وفي هذا السياق ظهرت رواية (العشاق) (1975) مرجعية جيل بكامله،، تتفرد بأسلوبها وسخريتها وتشاؤمها العميق، الذي يسحب القرئ من يقينيا ته، وتهز أركان النمطية اليسارية النمساوية الغارقة في طوباويتها...

وتبدأ رواية (العشاق) باستهلال شبه تقليدي: (هل تعرفون هذا البلد الجميل بجباله وثيرانه؟ فمن بعيد تحده مرتفعات وأفق قلما حصلت عليه بلدان اخرى، إنها نمسا الكتابة التي تركز على علاقات عشاق من نوع خاص لطبقات اجتماعية لا تعرف غير الانتظار والعمل في معمل خياطة، كما لو كانت الحياة مجرد ليل ونهار، إذ يطلق على الحياة اسم رجل هو هانز الذكر الذي تحلم به عاملة الخياطة بعد العمل، وهي هنا بريجيت البنت غير الشرعية لام تخيط نفس خياطة بريجيت: أي الملابس النسوية الداخلية، وهي تحلم بهانز الإبن الشرعي لسائق شاحنة، كما باولا – حسب تربية والدتها – بالعمل وتكوين بيت، لان الام لا تتوقف عن تذكير ابنتها: (باولا، عليك ان تصبحي بائعة أو ربة بيت، لترد باولا: امي لا وجود لمكان يعلم البيع حاليا، وترد الأم: إذن أبقي في البيت وساعديني عليه واخدمي والدك كما أخدمه وأخدمي كذلك...فلماذا تكون لك حياة أحسن من تلك التي كانت لي، إذ لم تكن لي حياة احسن من حياة امي التي كانت ربة بيت، لان البائعات في زمني لم يوجدن بعد، وحتى لو كنت أرغب في ذلك ما كان والدي الا ليقتلني)

(إن الرجال في رواية (العشاق) لا يمكنهم أن يكونوا أكثر من خنازير او عكسهم، وما هو عكس الخنزير؟) أم نساء القرية فلا يشكون فيما بينهم أية علاقة، فتلك التي تمتلك قواما جيدا تريد الاحتفاظ به وتخفيه عن الأخريات، حقدا واحتقارا، فقد وضعت المدرسة أسس ذلك في تربيتهم، لان السعادة لا تطرق باب أحد، لذلك تعتبر باولا أن جسدها هو كل شيء. وما قد يحصل لها قد يحصل لآخر، لجسد ثان وباولا آخر، فكل مادة حلم وكل عاطفة تحط على الجسد الأساسي لباولا وكل ضربات الأب تسقط على جسدها الثاني، اما امها التي لم تتعلم كيف توجد لها جسدا أخر، فهي تتلقى كل الضربات على جسدها الأصلي، فلهذا تجدها منهكة ومستهلكة كحبل مشنقة...

من ثم، كانت باولا عبارة عن منشفة تمتص كل شيء دون أن تستفيد منه، فهي لا تتعلم أي شيء، فهي كأم هاينز التي لم تكن شيئا يذكر ولا شخصا، ومن غير المستغرب ان يتوجه حب ايريش الجل إلى المحركات السريعة وإلى الكحوليات والمغامرات، ما دام حب باولا يتوقف امام بابه حالما بربة بيت كحياة... ورغم ان برجيت تكره هاينز فهي تعتبر مجرد عضو جنسي يقع فوقها كخسوف شمس أو كارثة له اعتباراته، فهو وسيلة لبلوغ هدف أحسن.

لهذا يعتبر هذا الجسد اهم شيء خارج النجاح المهني... من ثم لا تمتلك باولا ذكرى شخص حي عنها، بل فقط ذكرى امرأة تصنع مع رجلها ما تصنع جميع النساء، اطعام رجلها وغطعامه وخدمته لتظل كتمثال قديسة يوضع بين قدميه إكليل ورد. إذ لا بد من البحث عن السعادة عند شخص آخر بدل البحث في الذات كما هو شأن الام والجدة والاخت، ما دام الازواج يتماحكون كالحشرات والحيوانات التي يلتهم بعضها البعض حين يكون نصف جسد الواحد في الآخر...

من هنا يتم الحديث الروائي عن جثة يطلق عليها الماما وهي تنام لآخر مرة إلى جانب حي - ميت يطلق عليه البابا غمعانا في إبراز ضغط المؤسسة...

ولأن ايريش كان يود لو يصعق والده ووالدته، إلا أنه بدل ذلك يقوم بتعديب الكلاب الصغيرة والقطط السمان حين لا يراقبه احد كتعويض عن مكبوته...

وتكاد الحياة اليمية في رواية (العشاق) تبدو شبه عبثية، لانها تجعل باولا تشعر بألم بين فخذيها لتقوم بمسح الدم، وتتحول رغبتها في الإنجاب إلى خوف ورعب، لان الحب بالنسبة لها مجرد حفرة تسقط فيها ليتكسر كأنها في عمر الزهور، فالحب لا يسكن في بطنها بل في رأسها، لان ما في البطن مات، ولان المتعة عابرة ولا يبقى غير المطبخ سيد المواقف، للسخرية من سيقان الضفدعة التي تنتظر الزوج والبيت والغسالة والثلاجة والحديقة.

وتنتهي رواية (العشاق) إلى ان الحب ليس اكثر من بقعة سوداء على بذلة بيضاء لزوج لعوب وان المراة مجرد حيوان غابة يستطيع التوالد دون أن يكون بمقدوره الزواج...

فالرواية ليست رواية عاطفية ولا شعبية، رغم مظاهرها، لان المطاف سينتهي بنا ولا بريجيت إلى زواج مؤساتي فغرفة الوالدين او في جناح منزلهما...لذاك تنتهي حياة باولا بالعهارة رغم انها تحب زوجها، لانها في حاجة على المال، ولانها تريد اقتناء بيت لا برأسها بل بجسدها وهي تجلس في المقاعد الخلفية لسيرات قانصيها، فهي أسوأ من كلبة، على حين يدخل الرجل في متعة مع أخريات، لينتهي المطاف بباولا وبريجت إلى مصير استهلاكي واستنزافي لان الحب اغتالته المؤسسة ودخل كسلعة يومية كباقي السلع الاخرى...

إن هذا الخطاب المستفز هو ما يثير حنق النمساوي وشهرة الكاتبة خارج بلدجها فهل على النقد الثقافي لنقاد الذكورة والانوثة في العالم العربي أن يتخلخل ويتزحزح من قلاعه؟

أما أن للنقد النسونجي أن يعيد النظر في تمترساته امام كتابات الفريدي جيلينيك، التي عرت كل نزعة ضفدعية وخنزيرية في الحياة اليومية لنمسا ما بعد الحرب، والتي ما أشبهها باوضاع العرب الآن، فهل كانت آسيا جبار وأدونيس سيوقظان مواجع من قبيل مواجع الفريدي جيلينيك؟

السؤال رهين بترجمة النقد النسوي لاعمال الكاتبة إلى العربية أولا، وإذا توفرت الشجاعة والجرأة على مواجهة أشعة شمس الحرية...

د. سعيد علـوش

العلم الثقافـــــي، السبت 4 دجنبر 2004

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008