نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

" آخر آهة الموريسكي" لسلمان رشدي " 1-4"

بين كابوس بومباي وحلم الأندلس

د. سعيد علـوش

يصنف الناقد كي سكاربيتا "آخر آهة الموريسكي" من بين الإثنى عشر روائيا، اختارهم لتمثيل عصرنا فيما أطلق عليه "العصر الذهبي للرواية" 1996، وبغض النظر عن لون العصر، يواجهنا الناقد الجامعي الفرنسي بانفتاح على الرواية العالمية، كما تتصورها المركزية الغربية، من ثم يندرج في التصنيف فيليب روث، وميلان كونديرا، وماريو فارجاس، وكلود سيمون، ودانيلو كيس، وآلان روب جرييه، وكارلوس فوينتس، وكينزا بوروأوي،وتوماس برنارد، وخوان جويتسولو،وفيليب سوليبرس، وأخيرا سلمان رشدي، الذي لا يحظى في عالمنا العربي بأكثر من اهتمام إعلامي وغيديولوجي، بفعل الحساسية التي أوجدتها روايته "آيات شيطانية" مع ان الكاتب انتج قبل ذلك رواية الخيال العلمي (كرينيوس( ورواية (أطفال منتصف الليل) وحكايات (هارون وبحر القصص) ومقالات نقدية عن (الوطن المتخيل) قبل آخر عمل له وهو (آخر آهة الموريسكي)1996 وهي رواية تضاهي رواية امبرتوا يكو (جزيرة اليوم السابق) 1996.

ويستدعي سلمان رشدي في روايته صعوبة إبداع يصطنع جذوره الذاتية بينما يعرف فولكنر وديكنز العالم الذي ينتميان إليه، لكن قوة الكاتب كذلك غالبا ما تكمن في ضعفه وبحثه عن الهوية، فما يصنع من الكاتب كاتبا هو ما يصنع منه كاتبا آخر بغير ما يريده هو نفسه.

وتوجد طريقتان لكتابة رواية ما هي اقصاء كل ما يوجد في العالم باستثناء الاحتفاظ بلغز واحد مطهر أو ان نجعل من الرواية موسوعة تخيلية.

فإذا كان جويس وديكنز يتموقعان معا في جهة واحدة، فإن الآن روب جرييه أويسنت يتموضعان في الجهة الأخرى أي من مدمني سوريالية الكتابة وباحثي أشكالها.

لذلك يظهر أن سلمان رشدي حاول الرد عبى مهاجميه الايديولوجيين بعمل فني، فتح له أبواب البرلمان الاوروبي للكتاب ودور نشر وتوزيع غير انجلوفونية، مبرهنا للعالم أن العزلة والتخفي وتغيير الإقامة، تحت تهديد الفتوى الخمينية. تجعل الصوت يرتفع بدل إلغائه وإسكاته، أي موته الادبي.

من ثم، يرفض الروائي التموضع على المستوى الايديو لوجي، مع الاستفادة بالطبع من دعايته الواسعة. كما يرفض الالغاء الراديكالي لأعدائه المجهولين، وبدل كل ذلك يفضل الروائي ان تصبح كتبه مشهورة حتى وهو يظل مجهولا لاعدائه، كما كان عليه الامر في القرم 18 حيث كتبت رحلت جلفير التي وقعها جلفير وروبنسون كروزوي، من توقيع كروزوي وتريستزام شاندي من توقيع شاندي.

هكذا يشتهر الروائي بينما يظل جسده متخفيا وراء حراسه، وهو مشهد يستدعي مساءلة النظام الثقافي الجديد، على الرغم من استغلال الغرب لكتابة كتاب من العالم الثالث، كما حصل مع كتابة تافهة من طراز تسليمة نسرين التي كانت قضية اكثر منها كتابة. فسلمان رشدي استطاع اختراق الحاجز الرمزي لكتابة شبه – باروكية، تقترب من تسريب الاسقاطات الحضارية من قرون سابقة على قرننا كخلفية فكرية يعبر عنها الفيلسوف ابن عربي من خلال حكمته الذاتية: " في سقطتي تنتشر الروح وفي صعودي يتحلل الجسد" وهو ما ينطبق على سلمان رشدي، الذي يعد ميلان كونديرا دون شك أول من وجد احسن تعبير لتحديد مصير روايته السابقة قائلا: " لقد تحول العمل الفني إلى مجرد جسد للخطيئة" مكسرا بذلك في فرنسا صمت النقد حول البعد الادبي لروائية الروائي، جاعلا منها رمزا لحرية التعبير. ويظهر ان الغرب كان مهينا نفسيا لتقبل هذه الدعوى، التي صادفت انحسار المد الشيوعي واتساع الدعوى الشيعية وإرهابية الجماعات.

فهل لا بد للرواية المعاصرة من حمل شارة العصر وصراعاته؟ لقد اخذت الشهرة تسبق العمل، وبقدر ما تزداد سطوة الاعلام بقدر ما تغطي ثقافة السماع على ثقافة قراءة الاعمال الادبية، ويندرج في ذلك كتابات سلمان رشدي في عالمنا العربي، الذي يمكن القول انه مقروء عبر وسائط الاعلام، لا من خلال اعماله حتى وإن الاعلام الأوروبي يجعل منه كاتبا متميزا بكتابه الذي يذكرنا ضمنيا أن اللحظات الاكثر اشعاعا في الثقافة الاسلامية ليست تلك التي تنطوي على (الطهرية) أو (الصدق) بل تلك التي واجه بها الإصلاح في (الاندلس وبغداد وإيران) الآخر يوما ما مغتنيا بتداخل الأفعال.

من ثم، يعبر الروائي بطريقة ما عن شرقه وغربه وموروثه وحاثته، لذلك تستدعي قراءته قراءة في تاريخ الأفكار والعقليات وصورلوجيا الشعوب والتحولات القيمية التي تجعل علاقات القوى محل النظرة الجديدة لفوضى الثقافة في العالم اليوم. فالتداخل بين السياسي والعقائدي والادبي باد للعيان، خاصة وان احتواء الاعلام والسياسة للأدب يكادان يكونان سمة العصر الذي افتقد براءته، او على الأقل حق ادعء البراءة فعن اولئك الذين أرادوا جعل القراءة الادبية عقائدية وسياسية يرد الروائي عليهم بفعل أدبي معبرا عن رضاه بالعثور عن قرائة بالهند، حيث توقف توزيع (آخر آهة الموريسكي( دون سبب معلن، لكن السلطات الهندية قصرت المنع على بومباي. من ثم يجري على الروائي ما سبق أن أعلن عنه (بكيت) قائلا: " لا أستطيع الاستمرار ولكني مستمر مع ذلك..فقد انفتحت كل القنوات السمعية والبصرية على الروائي الجيم، الذي تلاحقه لعنة الفتوى الخمينية وتقية نقاد الادب العربي في التعامل مع اعماله.

ويظهر أن سوء التفاهم بين الروائي. الذي ولد في أسرة مسلمة سنة 1947، وغادر الهند إلى بريطانيا. كما غادر ادريس الشرايبي المغرب إلى فرنسا بعد ضجة رةايته (الماضي البسيط). منذ الطفولة، قد أوجد صدمة نفسية، دشنها بتجريب الخيال العلمي ومنتهيا في عقده الخامس برواية الهجانة الثقافية، التي تعتبر بحثا في المكتوب والمسكوت عنه والهامشي، الذي يجد مكانة في الجنس الادبي الروائي الذي يعد بحق فنا للتفاصيل وتوليد التماهيات بين الأصل والانتماء والوطنية والتبعية (الهند. بريطانية) في تقاطعهما مع نفس الأطروحات التي اوجدتها التقاطعات العرقية والعقائدية ضمن مركزية العالمية الغربية والهجانة الجديدة.

لهذا نجد سلمان رشدي في (آخر آهة الموريسكي) يتقاطع مع امبرتو ايكوا في (جزيرة اليوم السابق) في باروكيتها وتقنيات التنقيب عن تفاصيل التاريخي للقرون السالفة ( ق 15 بالنسبة للاول و ق 17 بالنسبة للثاني) مع اختلافات نوعية بين الإيطالي الذي يشدد على أوروبيته والبريطاني. الهندي الذي يستعيد مكبوتات أصوله الاسلامية ويواجه بها هجانته وتموضعه بين قارتين (أوربية – آسيوية) وجنسيتين (بريطانية – هندية).

من هنا كانت نزعة روائي (آخر آهة الموريسكي) تصفية حسابه مع الموروث الهندي بصراعاته العرقية والعقائدية والسياسية، لذلك كان حضور الجذور في اللاوعي الادبي واضحا في استدعاءات هند ما بعد الاتقلال من أسافل بومباي إلى اواسط المرتشين ومن سقوط الاحلام الكبرى في الديموقراطية واللائكية للأباء المؤسسن (غاندي – نهرو) التي تجاوزتها الاحداث امام التعصب العقائدي والإثني وتهديدات الفاشية الجديدة، التي يجسدها في الرواية (رامان فيلدينك) زعيم حزب أصولي هندي يستهدف فرض سمو العرقية الصافية للنزعة الهندية في مواجهتها للأقليات الاخرى.

من ثم، ينخرط الروائي في مشروع شبه مأساوي لإشكالية مفتوحة على اكثر من رأي تعطينا معلومات عن هند اليوم، لا تعطيه الخطابات السياسية... عن حقيقة التعدد في الحياة. فهل هذا التعدد هو الذي يرعب أعداء رشدي؟ أم سخريته اللاذعة ونقده للمقدس والعقائدي، كما هو شائع في الموروث الثقافي الاسلامي والهندي السياسي بتحويل قادة سياسيين إلى دمى كلبية تتماهى مع الكلاب الضالة في قرية بالأندلس (نمودج دمية غاندي).

تقدم (آخر آهة الموريسكي) إيهاما عن كتابة جزء منها عن القارة الاوروبية وموريسكي الاندلس خلال القرن 15 لكن صناعة الرواية تجعل من الأحداث سركا للفرجة على جنون يعيد نفسه عبر التاريخ فنيا وسياسيا وعقائديا.

قد تكون رواية (آيات شيطانية) غلبت الخطاب الايديولوجي والعقائدي على بنيتها الفنية، لكن من حقنا أن نعرف تصورات مسلمي الهند الذين يفوقون المائة مليون مسلم بأسمائهم وصورهم الخاطئة التي يثيرونها لدى بعضهم البعض ناهيك عما يثيرونه من ردود فعل في كشمير وإيران وأفغانستان والشيشان؟.. وهذه الصور التي يوظفها الروائي أليس من حقنا معرفة مكوناتها الصليبية والقرون. وسطوية بشائعاتها في الخيال الاوروبي؟

الاتمثل الآيات الشيطانية سوء تفاهم أساسي حول الطبيعة الظرفية للرواية التي سمحت لنفسها التعريض بالخميني؟ فالواقعية لا علاقة لها بالمظاهرالتقنية وقواعد الحكي والتخييل. فهاملت لم يعد واقعيا ومع ذلك فهو يعد من أمهات الاعمال الحقيقية. فالواقعية تعبر عن نوايا الكاتب وتعكس بكل الوسائل العالم الذي توجد فيه. كما أن توظيف صلاح الدين الأيوبي في الرواية ليس جديدا، فقد ظهرت صورته في (الكوميديا الالهية) وحوكم أدبيا في المخيل الغربي دون أن يمس ذلك بمكانته التاريخية. كما أن أوربا (جوته – بوشكين) وغيرهما. فالمقدس مقدس مهما حاول مدنسوه المس به فالمسجد الذي هدم في الهند سيظل رمزا للعصبية وافتقاد التسامح، فكيف نجيز تهديم مسجد عتيق ولا نسمح بحرية التعبير؟ ونسمح بممارسة العهارة ونمنع تداول المتابات عنها؟ إن مواقف التعاطف الغربي كانت مجرد سياسة تهدئه لامتصاص الغضب أو إثارته، فمواقف الساسة (شيراك – الامير شارل – تاتشر – الخميني) حول الآيات الشيطانية ساهمت في إثارة الانتباه عبر ردود فعلها من الرواية غربا ومشرقا.. خاصة وان الرواية تلمح إلى أمام قم في الجزء الرابع منها تحت عنوان (عائشة) وهي تسرد صورة الامام والتي اعتبرت تصفية حساب مع الاسلام.. ونفس الشيء سيحصل بالنسبة للزعيم السياسي الهندي في بومباي، إذ سيتعرض بدوره على نفسه في (آخر آهة الموريسكي) حيث رفع دعوى على الرواية تطالب بمنعها من التداول في الهند رفع المنع عنها. باستثناء بومباي. وهذا يعني أن خطر الكاتب على بلده الأصلي غير وارد. فكيف يكون خطرا على المسلمين؟ إننا في بداية ظهور الاسلام حتى نخاف عليه من رواية بريطانية فالاسلام أقوى بكثير من دفاع المدافعين عنه خطأ لانه عقيدة لا تحتاج إلى وكلاء المنع والاجازة. ليس من المؤكد أن روايتي الروائي الآخيرين قد قرئتا في العالم العربي حقيقة نظرا للمنع الذي أصاب الاولى والحاجز النفسي أوجده ذلك الاسقاط على العمل الثني. فلا أحد من النقاد العرب عالج أحد العملين في بعدهما الفني ! لقد اقتصرت الصحافة االأجنبية. من المحيط إلى الخليج على ترجمة مقتطفات الإدانة عن دوريات غربية.

إن اول ما يستوقفنا هو مدونة الموروث الثقافي عند الروائي، الذي ينهل من فانتزهات حكايات القرون الوسطى الأوروبية عن الإسلام، فليس كل ما يقال حقيقة، وليست كل رواية توظف المقول الميثي تستمد روائيتها من هذا المقول ! فهل سبب نجاح عمل امبرتوايكو في (جزيرة اليوم السابق) يعود إلى وثائقيته عن القرن 17 والمدونة اللاتينية فقط؟

 

لم يكن علينا انتظارروايات سلمان رشدي حتى يذكرنا بالحكايات الصليبية العدائية للإسلام، فالباحث يذكرنا بالحكايات الصليبية العدائية للإسلام، فالباحث في الآداب الاوروبية يكتشف أشنع العداءات والتشوهات، وهي عداءات متبادلة أحيانا كما انها ردود فعل طبيعية، لا بد أن تفهم في إطار تاريخ الأفكار والصور الخاطئة، التي تتبادله الشعوب فيما بينها.

فإثارة موضوع الهجانة وعدم الصفاء والاتزاج والتحول ناتج عن تركيبات ثقافية جديدة. فليس من المستغرب ان تجد الرواية بعض موضوعاتها في الهجانة والخوف من مطلق الطهارة والتقديس، فالمتزاج والجديد يأتيان هكذا إلى العالم، إنهما امكانيات هائلة ممنوحة لعالمنا، وهو ما حاولت الرواية الأخيرة (آخر آهة الموريسكي)احتضانه، مما أثار حساسية القراءة الاحادية للعمل.فاشتغال رشدي على وظائف المسخ والفانتازمات يجفعه إلى أن يجعل من شخصية الهندي جبريل. وهو التباس متعمد أو غير مقصود لبطل يحكي عن سقوطه بعد انفجار طائرة كانت تقله مع شخصين آخرين من أصل هندي، كما يقدم جبريل بشكل اكثر مباشرة من خلال حلم يصور مشهدا غير محبب عند الأصوليين، ونفس الشيء بالنسبة لشخصية عيشة، فأكلة الفراشات تدعة أنها زوجة جبريل.. الذي يلتقي بعزرائيل مما يشعل غيرة قوية بينهما، ويعود جبريل إلى بومباي لاخراج فيلم، كما يعود صلاح الدين الأيوبي بعد رفع المسخ عنه وموت والده.

ويظهر أن الفصلين (6/7) من (آيات شيطانية) كانا أكثر تشهير بالمقدس الاجتماعي مع أن أدبية النص تظل حاضرة في القراءة لان معرفة الصور الخاطئة خير من جهلها، مادامت مواجهة المعيدي خير من السماع عنه.

إن الروائي في غرائبيته و فانتاستيكيته يقدم شخصية (آكلة الفراشات)و(الشيطان) وكرامة (انفتاح البحر) وظهور (رجل برأس نمر))يجعلنا ندرك مدونته وموروثه عن الأساطير الدينية والشعبية، وهو موروث نجد بورخيس وفوينتس في إظهارهما لتعدد عقد القراءة، الذي يقود بطرق بسيطة نحو الواقعية السحرية الامريكو.لاتينية، ولم يمنع أحد بورخيس في احدى قصصه من ان يرى جبريل يفكر بوجود شخصيات وهمية في كل مكان، إذ حيثما توجهنا نجد شخصيات توهم بانها كائنات واقعية..

فالرواية تشتغلل على فراغات الأشكال لا على أشكال بعينها، إذ لا تبني واقعا معينا. بل تكتفي بالمزايدة عليه ورسم واقع آخر لواقعها، بحيث لا يتعرف على نفسه داخلها إلا لكي ينسى صورته الأصلية، ويدخل مع ظلالها في معاكسات تنتصر فيها الظلال على صانعها، وبذلك تعطي روايات الروائي مشاهد لمحكيات، تقدم بشكل عمودي طرائق سرد مخاتلة، تعتمد على مكر القارئ.

من ثم يقدم المختصر السابق فكرة مختزلة عن مبهر يتوالد باروكيا، حيث تتعدد الشخصيات والطرائق والمشاهد والمحكيات الصغيرة، التي تسرد طرائق المخادعة المبنية على ظاهر يخفى أكثر مما يعلن، ويوحي أكثر مما يقرر وصفة جاهزة.

فرواية (آخر آهة الموريسكس) تعد استفزازا وإثارة وتمريرا لرسالة قرننا، التي لا تشكل أطروحية بقدر ما تشكل فنا للسرد ومتعة تعدد الفضاءات، التي تتجاوز حدود الوطنية نحو عالمية المفاهيم والرؤى، المتمردة على آحادية النظرة والزاوية في زعزعة واضحة للثبات، وهذا ما يزعج التوجهات الآحادية. البعد، ذات الاستقرار الرمزي، تجاه متغيرات عالم متفجر ومتشظي الهوية والمنفتح على حق الاختلاف.. في عالم متحول يشهد تفكك الدول والايديولوجيات.

يعد إذن الموضوع الأساس لآخر روايات الروائي هو صدام الثقافات الناتجة عن هجرات وتلوينات العواصم كمدن للامتزاج العرقي بين الشرق والغرب، حيث يعود الروائي إلى بلده الأصلي (الهند. بومباي) باحثا عن الجنة المفقودة، ملاحقا فانتازمات طهرية مختبرا شكلا آخر من الهجانة والامتزاج في عالم يعج بجماعات (هندية/ سيكية/ مسلمة/ بارسيس/مسيحية/ يهودية) وهي فرصة الكاتب للاشتغال على طرس يعد اصطلاحا رئيسيا في الرواية تتداخل فيه الأشكال والمدونات الميثية والمشاهد العنيفة، التي ينسج كل واحد منها محكيات تتوالد باستمرار..

فالتخيلي إذن يتوسل بروائيته لاستعادة خيوط الأحداث والصراعات والوقائع التي تهز قرننا، فالروائي ليس مجرد تقني يضع عقارب الساعة على مدار الأيام والليلي ولكنه يتحسس حرارة العالم وصعيقه.ويحمل عنوان الرواية (آخر آهة الموريسكس) نغمة رومانسية بالماضي الجريح والحاضر المتأسي. وتبدأ الرواية بحكاية أسرية لعائلة (دي جاما) الذي يدعي عودة أصوله إلى (فاسكو دي جاما) وهي عائلة مسيحيةتشتغل بتجارة التوابل، وتقيم بجزيرة كابرال قريبا من مدينة كوشين، وتظهر الاحداث من خلال ذاكرة سارد موريسكس يعد الوريث الذكوري للسلالة بالإضافة إلى شخصيات طريفة تمتد من فرانسيسكو الأب الذي يموت غرقا إلى الأم الموريسكسة الرائعة والمثيرة، وهي أورورا التي تسقط مشاريعها وفانتازماتها على لوحات تشكيلية تستلهم سوريالية وغرائبية الواقع، دون ان ننسى ايري بعاداته المثيرة، خاصة وانه تقمص شخصية زوجته ليلة زفاف وغادر ملتحقا ببحار دون أن يعرف عنه أي خبر. وقد وقعت هذه الحادثة مع أوروا التي ستتزوج فيما بعد يهوديا هو (ابراهام الزغبي)، الذي لا تتأكد يهوديته تماما، إذ تحكي الخرافة أنه سليل (أبي عبدالله) آخر سلاطين المسلمين بغرناطة، مما يحوله إلى مقطوع يعلق عليه السارد قدره غير المستقر.. تنتقل أسرة دي جاما إلى بومباي، حيث يؤسس ابراهام امبراطورية مالية تتاجر بالتوابل، وهذا ما يجعل المحكي يتمحور حول شخصية الموريسكس التي تدور أغلب لوحات أورورا التشكيلية حول مافياويته ومغامرات أسرته التي نقلت من الإدارة التدميرية لامرأة نكدة.

ولا يظهر النزروع الملحمي والباروكي بشكل قوي في الرواية، فمن جهة يقع التأكيد على القرن 15 وتاريخ الهجرات إلى الهند، ومن جهة ثانية إذانة تاريخ الهيمنة والتسلط، حيث تكون نهاية كل تواجد للهيمنة بالقارتين الأسيوية والاوروبية فهل تكون نهاية (البيت المنقسم على نفسه) كما يعلن عن ذلك أول فصول الرواية هي إصدار (آهة موريسكية) في الفصل الرابع والاخير؟

إن السارد في الرواية يعفينا من التأويل المغرض، بتقديم شخصياته كما يردها ان تنمو في عين قرائها المحتملين:

أطلقت عليه الزغبي فنان أبي عبدالله آخر سلاطين غرناطة، خلال مغادرته الحمراء أضاف (فاسكوبوجه) فاقد للصبر: حيث (آخر آهة موريسكس).. إذ بعد عشر سنوات سيجد الموريسكس تجسيده الجديد في أناه، كما يحدث ان أورورا الزغبي.. سترسم بدورها لوحة تطلق عليها: (آخر آهات الموريسكس) (159)

فالزغبي في العامية المغربية تعني السيء الحظ لذلك يطلق الاسم على احد من يعتبرهم السارد حفيد أبي عبدالله من جهة وفاسكودي جاما من جهة ثانية، وتبرز باروكية الرواية منذ البداية في هذا التماهي باللوحة الفنية التي تصبح مفتاحا أساسا في قراءة المتخيل، فمراحل الرواية تكاد تتطابق ومراحل تشكيل اللوحة وحتى مع عدم استكمالها عند اورورا التي تتوج مسيرتها الفنية بلوحة تطلق عليها (آخر آهات الموريسكس) والعنوان هو عنوان اللوحة والفصل الاخير والرواية ككل. فهذه التقاطعات هي ما يهب الرواية فنيتها المتشابكة مع اللوحة التشكيلية القابلة للقراءة المتعددة، خاصة وأن لوحات الرواية لوحات سوريالية في واقعها الشقي وتاريخيتها المأساوية.

من ثم، لا يمنحنا السارد فرصة تصنيف هذه اللوحات/ المشاهد، بل يقدمه جاهزة: (يمكن تقسيم اللوحات الموريسكية لاروروا الزغبي إلى ثلاث مراحل متميزة، الاولى ما بين 57 1977 والثانية مابين 77 و 1981 وخلالهما ابدعت الفنانة الاعمال العميقة.. ثم اخيرا اللوحات التي يطلق عليها (الموريسكي المظلم) وهي نظرة المنفى والرعب... وتضم عملها الهام غير المكتمل (آخر آهة موريسكي) (213)

نحن إذن امام ثلاث مراحل من تشكيل أحداث الرواية/ اللوحة بمشاهدها عن الهند وتاريخ الامتزاج والهجانة، وأخيرا جنون الانتقال إلى أوروبا. ولن تتوقف تداخلات السارد الكامل المعرفة عند حدود معينة بل يحضر في كل بناء الرواية موظفا قالبا خطابيا مباشرا: (أيها القارئ) مستبدلا عنصر الأفقية السردية بحوار يقطع حبل السرد أحيانا ليشرك قارئه المحتمل في انتاج معنى اللوحة/ المشهد...

ولا تتحدد هوية القارئ المنشود في الرواية، ولكنه قارئ خطاب مزدوج، يسرب الشك إلى كل اليقينيات والمضاهر البراقة في القناعاتن التي تتمظهر من خلالها الشخصيات والقضايا والتمثيلات بجميع أشكالها المؤسساتية (سياسية. اقتصادية.فنية) والتي ينتصر فيها مزيفو النقود واللوحات والمواقف، لذلك يتدخل السارد للتخفيف من حدة كل ذلك:

(أيها القارئ: لم أبحث اكثر من التعبير عن بعض الاندهاشات التي تشغلني لكن اطمئن ساعمل على .. أن أظل في حدود قضيتي) (175)

ماهي إذن حدود قضية السارد؟ وكيف يندهش مما يشغله؟ نجد الجواب في إشكالية شكسبيرية يغتال فيها الأبطال دراميتهم او ماساويتهم، ليتحولوا إلى لوحات تحكي القصص.

إن "توابل عائلة دي جاما الزغبية بمدينة كوشان، فتاريخ تعميديي كان يعد حقي الطبيعي ورثته عن امي أورورا سليلة دي جاما، وهي أبرز تشكيلياتنا المعاصرة، وهي جميلة وكانت كذلك تمتلك أسوأ لسان أفعى ضمن جيلها، وكانت توزع أقوالا متوبلة على كل من يعبر بها، ولا تستثني من ذلك أبناءها" كانت تقول نحن بيتنيك الصليبية الوردية، نتوفر على التوابل الحمراء في دمنا..)(87)

فالموريسكس الذي تجري في دمه توابل حمراء هندية، يرث عن امه لسان أفعى وعن والده قصة الامتزاج العرقي، وهو مكون حكائي ذاتي يصبح نموذجا لسردية تمتلك كل المقومات الوجودية للانخراط في تاريخ التشكيل المعاصر، الذي يرسم لوحاته الادبية دون ان يفطن عالم الطهرية وصفاء سريرة الانساب إلى ما ينخر هذه الشجرة الكقدسة من اوهام الأصول، التي تواجه عواصف التهجين، لان تشكيل اللوحة المعاصرة يقوم على امتزاج دماء الألوان العرقية بألوان توابل الحياة الجديدة: (آه، كم هي كثيرة أساطير عائلة دي جاما بمدينة كوشين ! انني احكيها كما وصلتني مشذبة وقد اغتنت بحكايات اخرى، إنها لأشباح القديمة والظلال البعيدة واحكيها لا نتهي منها، وهو كل ما تبقى لي، فأنا اعيد إليها حريتها، فمن مرفأ كوشين إلى مرفأ بومباى، ومن ساحل مالابار إلى هضبة مالابار: يعد تاريخ تجمعنا وتمزقنا وارتقائنا وسقوطنا وحركتنا فوق ارض "مائلة نحو الأسفل ولاعلى"

وبعد ذلك مع السلامة ياماتاتشيري، وداعا ماري دريف... وعلى كل حال فحين جاءت والدتي إلى هذا البيت كطفلة شقية وكبرت لكي تصبح فتاة في الثالثة عشرة كبيرة وثائرة كانت الخطوط الواضحة قد رسمت...(23).

ويبدو كما لو كان الطابع الميشي وراء كل قصة أسرية، وكما لو كانت هذه السرديات في حاجة إلى حكواتي. يستلهم الأشباح والظلال، التي تستعيد حريتها في الانتقال بين فضاءات الهند الجنوبية باستعادة الأحداث والشخصيات التي كيفت النطفة الاولى لأسرة هجانة (دي جاما/ الزغبي)بأصليهما البرتغالي والموريسكي مما يمنح الروائي فرصة تشكيل لوحته السردية.

وفي تجوالي عبر الغرف الفارغة اكتشفت الصور المتخيلة لأورورا وقد تجسدت في الحياة كنت أتوقع بالتقريب ان تدخل شخصياتها لتلعب قصصها الحزينة امام عيني غير المصدقين، كنت انتظر نصف مصدق أن يتحول جسدي إلى موريسكي تجلله بقع معينة من التراجيديا – تراجيديا التعدد التي حطمتها الفردية وهزيمة التعدد امام الفردي. وهو مبدأ وحدة السلسلة وربا تنفجر يدي الضمرة في اية لحظة لتتحول إلى وردة ونور ولهيب ! ففاسكو الذي كان يعتقد دائما ان اورورا قد اخذت فكرة التشكيل الموريسكس في لوحة كيتش عن فارس باك، كان قد صرف ثروات وطاقة لتحقيق رغبة عميقة هي امتلاك رؤية اورورا، فهل بني هذا البيت عن حب او كره، وإذا كان علي أن أثق في القص التي سمعتها فإن الأمر لا يدوطرسا (مسح وكتب عليه من جديد) ليجمع بين الغضب والمرارة الحالية لكاتب ذكرى حب قديم وضائع..حوله فاسكو إلى ألوان نلاحظ فيها شيئا فشيئاقدرا من الضوء المتزايد، الذي ضيع الفارق التالي بقليل، والبعد الدقيق والجوهري، وهو ما يميز الائتلاف عن الاتفاق الكامل لمحاكاة مفضوحة.فالحمراء الصغيرة على الرغم من حجمها ولهيبها لم تكن الفضاء الموريسكي الجديد بل مجرد بيت فخ وادعائي (385/386)

يكشف النص هنا عن قاموس نقدي واضح (لوحة كيتس – طرس ممسوح- المحاكاة المفضوحة "كاتب ذكرى" التشكيل الموريسكي القصة الحزينة. تراجيديا التعدد وحدة السلسلة. امتلاك الرؤية. الحيوية والرفاهة. ألوان من الضوء البعد الدقيق الائتلاف والاتفاق). فهل الناقد هو الذي يكتب روايته أم أن البعد الفاصل بين الاثنين آخذ في التقلص إلى حدوده الدنيا لصالح الخطاب عند سلمان رشدي وامبرتو ايكو وميلان كونديرا.

من ثم تتحول عملية الحكي ووعيه النقدي إلى استقراء للأحداث التاريخية التي جعلت حكيا للأساطير ةالالام والهجرات من الهند وإليها، خلال فترات يعود أقدمها على 72 ميلادية وآخرها إلى هجرات الموريسكيين إلى الهند التي تجسد أسرة الزغبي "لم يكن مسؤول خدمات الزغبي هو موسى بل ابراهام. وإذا كان دالا ان تحتوي أسماؤنا على قدرنا فإن حروف رئيسية تؤكد انه لم تكن بالامكان هزيمة الفراعنة وتسليم القيادة وشق مياه البحر، فهو لن يقود أي شعب نح الأرض الموعودة ولكنه سيهب ابنه اضحية على عتبة الحب المرعب، وهو الزغبي هنا !.

واسمه يعني "السيئ الحظ" بالعربية، على الأقل إذا صدقنا كوهين تاجر الثريات وترجمة أسرة ابراهام من قبل أمه.." انظروا فقط كتابتهم" تقول فلوري أم ابراهام"فهذه حدها تمثل جروح سكين وضربات خنجر، إنها أقصى عنف، وهذا يعني أننا، من سلالة يهودية بروح حربية، وربما كان ذلك سبب احتفاظنا بهذا الاسم الأندلسي في هذه اللغة الملعونة.. فاليهود البيض السفاريون بالهند قدموا من فلسطين (بتعداد العشرة آلاف) سنة 72م هاربين من قمع الرومان" 76/77.

وبما ان الرواية فن سرد التفاصيل بامتياز، فهي تجد في الحروف اليهودية جروحا وخناجر وعدوانية تاريخية تجعل من عنف الفضاء الأرض الموعودة. فلسطين وعنف السماء والزمن عنفا كتابيا بينما عقارب الذاكرة تتوقف عند الأزمنة الحاضرة بعنف في قرننا، إذ لا يوجد زمن للمأساة المطلقة التي تفسح مجالاتها في رواية (ىخر آهة الموريسكي) كنوع من اكتشاف تشظي الوصول..

قدم اليهود السود إلى الهند قبل اليهود البيض، هاربين من أورشليم أمام زحف جيش نبوخذ نصر سنة 587 ق.م، وإذا لم يكن الاهتمام بهم قد حصل لتزاوجهم مع السكان المحليين، فإن هذا جعلهم يختفون منذ زمان لكن هناك اليهود الذين قدموا من بابل وفارس سنة 490 و 518 ب.م، وموت قرون قبل أن يفتحها بكراكانور. ويستدعي التاريخ التليد والجديد لهجرات اليهود الهنود مأساوية الامتزاج التي تتحول فيها العودة إلى الاندلس جنونا.

واضيف ان اليهود بأسماء عربية وأسرار خفية كانوا يحتاطون حين ينعتون احدهم بالموريسكي.. اللعنة عل كل الموزيسكيين صاحت بكل قواها. من حطم معبد اليهود بكراكانور؟ إنهم الموريسك لا غيرهم غنهم رفاق عطيل الذين صنعتهم الهند صنعا محليا. ففي سنة 1524 عشر سنوات بعد قدوم الزغبي من اسبانيا كانت هناك حروب بين المسلمين واليهود في المنطقة.

لم اتذكر أبدا متى سمعت لاول مرة قصة أسرتي التي نستمد منها اسم عائلتنا، وتستمد منها امي موضوع سلسلة لوحاتها الاكثر شهرة وهي لوحة "تابع المورسكيين" التي بلغت قمة نجاح العمل الكبير غير التام والذي سرق فيما بعد وهو "آخر آهة الموريسكي" ينتابني احساس بانني عرفت طوال حياتي هذه الأسطورة التي علي أن أضيف ان فاسكو ميراندا استمد منها عملا في شبابه، ولكن رغم استئناسي الطويل ينتابني شك أكيد حول حقيقة حرفية العمل، بقصته.. المشحونة كشريط انتج في بومباي 79/ 83. تشير تفاصيل الرواية إلى تقية يهود يتخفون تحت هوية عربية، فلا تخلو تسمية الموريسكس من إثارة تحيل على عطيل شكسبيري. هندي، لم يحل دون استمرار الصراع العقائدي في الهند، كما ان قضية الاحتفاء بالموريسكس في عذاباته التي تنتهي بسرقة لوحاته الفنية من الهند وتدل في تهريبها إلى اسبانيا على نوع من استحالة العودة إلى الأصول المنقطعة، لينكأ الجرح من جديد، عبر بطولة فاسكو ميراندا بجنونه وحياته الغريبة باسم الفن واستعادة امجاد حمراء الأندلس على طرس محاكاة للكوابيس بعد ضياع الاحلام.وإمعانا في إعطاء السارد لسرده طابعا أسطوريا فإنه يجعل حكاية الأسرة التي تحتفظ بموروث أجدادها الأوائل رمز للموروث المسروق في شكل عمامة عربية مرصعة بالجواهر كانت قد سرقت من آخر امراء غرناطة أبى عبدالله وظلت محفوظة في الهند باعتبارها رمز خجل محرج، كان عليه ان ينتظر أربعة قرون قبل أن يسمح أحد الحفدة لنفسه بوضعها على رأسه، إنه ابراهام اليهودي فهل زال الخجل المحرج، أم ان الزمن اليهودي يستبيح الموروث العربي. الاسلامي حتى لو هجر إلى الهند..

وتتطور الأسطورة الاسرية لفانتازم العمامة الموحشة بسلاسل ذهبية سميكة غير لونها الزمن، وفي نهاية هذه السلاسل توجد زمردات جد غليظة ناصعة الخضرة لحد أنها تشبه العابا. وهذا التاج يعود إلى أربعة قرون ونصف خلت، إنها آخر عمامة سقطت من على رأس آخر أمير اندلسي، لا شيء اغلى من تاج غرناطة الذي كان يضعه ابو عبد الله على رأسه وهو آخر الناصريين المعروفين تحت اسم أبي عبد الله. كيف خرج هذا الغطاء الرئاسي الثمين. هذه القبعة الملكية الموريسكية. من صندوق امرأة سقطت اسنانها. لتوضع على رأس ابراهام الأب مستقلا واليهودي المرتد.

فتوظيف رمز العمامة الكنز ووضعها على رأس اليهودي ابراهام دلالة عبى سرقة تاريخية بسبب عجز صاحب العمامة عن حمايتها. ويبني على ذلك منطق الاحتفاظ والحفاظ بآخر عمامة ما ينيف عن الأربعة قرون، كرمز للتواصل مع الأصول الموريسكية. ويتوكأ السارد على مأساة سقوط الأندلس، ليحفر في وعي ابراهام اليهودي. الهندي وعيا شقيا لدلالة العمامة على الاستسلام امام المسيحية فهل هذه مجرد حكاية للحكاية التاريخية عبر قناة الرواية أم انها عبرة قرننا من قرون خالية.

هكذا علم ابراهام انه وتحت النظرات المندهشة والمحتقرة لكريستوفر كولومبس، يعيد السلطان أبو عبد الله الغرناطي مفاتيح القصر الحصين للحمراء الاخيرة، تلك التي كانت اكثر وجاهةمن كل الامكنة القوية للموريسكيين إلى السلطان الكاثوليكي الغازي (فرناندواو) ايزابيلا متنازلا عن عرشه بعد معركة واحدة وهاجر مع والدته وحاشيته إلى المنفى، واضعا حدا لقرون اسبانيا الموريسكية وعلى هضبة الدموع أوقف فرسه والتفت ليلقي النظرة الاخيرة على ما فقده: القصر والسهول الخصبة وكل المجد الذي ينتهي من الآن فصاعدا بالأندلس.

وامام هذا المنظر تاوه السلطان وبكى الدموع الساخنة. بينما كانت امه المرعبة عائشة التقية تسخر من المه، وهو الذي انحنى على ركبته امام ملكة قوية كان عليه أن يعاني فيما بعد من احتقار آخر على يد امرأة، دون حول لكنها مرهوبة الجانب.وهي التي قالت له "ابك كامرأة ما لم تستطع الدفاع عنه كرجل" وهي تعني العكس وتعني أنها تحتقر هذا الرجل المتباكي، إنه ابنها لانه خضع لما كان يمكن ان تدافع عنه هي حتى الموت.فيما لو كانت لها فرصة ذلك، لقد كانت ندة ومعارضة الملكة ايزابيلا،ومن حظ الملكة ايزابيلا انها واجهت هذا الطفل المتباكي أبو عبدالله.

وحين قدم ابو عبدالله مفاتيح الحمراء غادر إلى الجنوب. لقد منحه الملوك الكاثوليك أرضا، وحتى هذه بيعت تحت اقدامه من قبل مقربي حاشيته. لقد أصاب أبو عبدالله الجنون بعد ذلك ومات في معركة وهو يحارب راية امارة اخرى85/86.87 هل هذه الكتابة تناص أم تضمين روائي. على غرار ما نجده عند كتاب سقوط الاندلس.. لكننا نصادف لاول مرة توظيفا يصب في يهودية هندية يقحم فيها يهود غادروا بدورهم سنة 1492 كما لو كانوا أصحاب قضية، يفاقون قاديس مرغمين كريسوفر كولومبيس على الاقلاع من بالوس دوموكير.

من ثم توقف اليهود عن ضرب حديد طليطلة وقصد يهود كاستي الهند ومعهم اسرة الزغبي الشيء الحظ.

فطليطلة، والكاستيل، وقاديس، كلها فضاءات للحذور الأولى والتي ستكون عودة البطل الروائي إليها لا كحنين إلى اورشليم جديدة، بل لإدانة الجنون الذي يصيب الفنانين وخبل المناضلين القدماء وعنه الرافضين للنازية وعدم جدوى احتقار السياسيين. فهل سيعيد وضع التاج التاريخي على رأس ابراهام الاعتبار على خنجر الذكرى المزيفة للتاريخ اللاطبيعي للطبيعة.

السلالة بدراسة عصامية للاسبانية في الكتب كاشفا من منا عما تحتوي عليه مذكرة ربطت بخيوط، إلى ان وضع التاج أخيرا فوق رأسه وتحت ضوء المساء البرتقالي لمواجهة امه بخجل الأسرة المتستر عنها 87. ليس التاريخ الحالي تاريخا معاصر فقط، ولكنه تراكمات كل الماضي بمساحيقه وفواجعه وبتحريفاه الروائية كذلك .. وهو أقدم بكثير مما نتصوره أنه يعود إلى القرن 15 مع سلمان رشدي، كما عاد على القرن 17 مع أمبرتو إيكو في (جزيرة اليوم السابق) ويظهر أن الكاتب البريطاني. الهندي بعد أن صفى حساباته مع الإسلام في رواية

(آيات شيطانية) يعود في (آخر آهة الموريسكي) ليصفي هذا الحساب مع تاريخ الهزيمة العربية بالاندلس سارقا المواقف والأحداث.ولا يتركنا السارد دون ممارسة فن التفاصيل الروائية لسرده الاندلسي، فهو يجعل من هجانة بطله العقائدية والاثنية تعلة لحكاية سرقة جدة لىخر حكام غرناطة يفترض أنها كانت محظية، استولت على اسمه كذلك فهي تقدم للرواية مجانات (موريسكية – برتغالية – هندية) وبذلك يبدع الروائي فسيفساء سرد تتعدد فيها الآهات الهندية.. لكن ابراهام احزن امه بالسؤال عن الاوراق القديمة المربوطة بخيوط جلدية "من هو كاتبها؟" كيف ظلت صامتة، وكان يحدث نفسه انها امراة استمرت مسيحيتها: ما هو اسمها؟ غير محدد. من تكون؟ هل هي يهودية وجدت ملجأ لدى السلطان في المنفى تحت سقفه، ثم تحت لحافه ووقع تمازج بعد ذلك قال ابراهام بجفاف حسنا، كان من السهل جدا الاحساس بالعزاء لهذين: العربيوالاسبانية اللذين لم يعودا يملكان شيئا فحتى اليهودية الاسبانية مطرودة. عشيقان عاجزان تجمعهما قضية مشتركة ضد قوة الملوك الكاثوليك. وكان ابراهام يطالب للموريسكس وحده العطف عليه "لقد باع رجال بلاطه أراضيه وسرقت محظية تاجه" وبعد مرور سنوات وهي إلى جانبه غادرت هذه الجدة المجهولة السلطان المنهاروسافرت إلى الهند بكنز كبير، وبعد اجيال عديدة جاء ابراهام نفسه ليخاطبها يا أمي التي تلح على نقاوة جنسنا ماذا تقولين عن جدنا الموريسكس؟

.. انظر إلى هذا التاج المسروق والمغلف في قطيفة والمقفل عليه في صندوق طوال أربعة قرون فاكثر، فإذا كن قد سرق لمجرد مصلحة ألم يكن علينا بيعه منذ مدة طويلة؟ وبسبب سرية السلالة الملكية، حافظا على التاج وبسبب خجل سريافيناه اماه ما الاسوأ إذن؟ فاورورا التي لا تخفي علاقتها مع فاسكو سعيدة بها، لقد ولدت انا من آخر آهة للعجوز والموريسكس السمين لغرناطة وعلى يد سارقته ومحظيته انا اليهودي الهجين لأبي عبدالله.. السلطان الساقط، عرفت تحت اسم مستعار اماه تلك التي سرقت تاجه وحليه، فقد اخذت لقبه بطريقة ساخرة ومرة. وأصبح هو أبو عبدالله السيئ الحظ هل يوجد احد هنا يستطيع قول ذلك في لغة أبي عبدالله العربية؟..

أي فرق يوجد إذن بين موريسكس هجين وبرتغالي هجين؟ 87/88/89.

فالرواية تستغل موضوع الموريسكي الاسود كموضوعات متضادة لقد تحول عن دور تمثيل رمز الوطن الجديد على رمز الانحطاط، بعد ان ظهرت افكار الهجانة والامتزاج الثقافي كابداعية قابلة للاختلاف والغموض بدل الإضاءات، فهذا الموريسكي الأسود (الهندي) يجسد صورة حديدة يعتبرها الروائي هجانة يمكن ان تندرج ضمن ازهاربودلير عن الشر.

ورغم ان اورورا تعيد في لوحتها "آخر آهة الموريسكي" فللموريسكي انسانيته على اعتبار انه لم يكن مهرجا تجريديا ولا سقط متاع، فهو أكثر من بورتريه الإبن المفقود والظل التائه كروح في جهنم يطارد سلطانه المهموم. لكن الموريسكي تنتظره معركة في المستقبل لامع الماضي كما توهم الاحالات التاريخية التي يضمنها الروائي نصه من خلال حوار داخلي لبطل يبحث عن هوية فلسفية.

كنت يهوديا من اسبانيا كالفيلسوف ابن ميمون، هكذا خاطبت نفسي حتى ارى فيما إذا كان للكلمات وقعها الجيد لكن وقعها كان مقعرا.

كان شبح ابن ميمون يضحك علي، انني اشبه مسجد قرطبة الذي أصبح كاثوليكيا، فأنا مجرد قطعة معمار شرقية في كاتدرائية باروكية معشوشبة الرياض، لكن الزيف يبدو عليه أيضا. لم أكن أكثر من مجهول لم يقدم من أي مكان، كل شيء، هذا ما يعد احسن عمل يوقع بشكل حسن، فكل علاقاتي تحللت لقد بلغت إلى أورشليم. مضادة ليست قطعة منها ولكنني أي مكان لا يجمع ولكن يفرق، كنت اعيش حمق فاسكو بين هذه الجدران الحمراء التي تشرف على الهضبة فوق المدينة وقد صدمني على الخصوص اعلان القلعة، التي طغت عليها حكاية الجن وقد أحاطتها أعشاش مالك الحزين، لكني لم الحظ أي واحد من هذه الطيور الضخمة والكبيرة. لقد رشى فاسكو دون شك الموظفين المحليين لكي يسمحوا له ببناء شيء ينسجم إلى حد ما مع باقي المنازل المنحدرة والدافئة والمصبوغة بالجير. لقد كان البناء يرتفع إلى نفس مستوى القلاع المتوائمة التي تزين كنيسة بننغلي. حين طلبت من سائق السيارة أن يقودني إلى "الحمراء الصغيرة" اخرط في متاهة الأزقة الضيقة وهي كذلك بدون شكل لان الفترة كانت فترة قيلولة 267، يفتح الروائي امامنا صفحة تطهيرنا من عقدة الذنب بعبور وادي الآلام المطلقة، لقد فتحت الهند قلبها الذهبي لكل الدين قصدوها وتتبلوا بتوابلها لكن الروائي يعتبرهم أبطالا لا يستحقون قصته تحت أقدامهم فعلى كل واحد ان يظل في مكانه. من ثم يمتلك الخطاب الروائي كل امكانيات الاستنارة (تماثلا وتشابها) والنبش في قبور جماعة تساوت هوياتها تحت الانقاض، بعد ان كانت شجرة اغصانها ترفرف فوق الهند وحذورها ضاربة في الاندس، لكنها اندلس الجنون والبارانويا.. بمجرد ان تحولت التوابل إلى ذهب بعد أن تعاقبت سفن البرتغال والانجليز والفرنسيين على الهند زراعة بذرات دي جاما والموريسكي والعقائدي.

حين حلقت طائرتي فوق المدينة بومباي رأيت ارتفاع اعمدة الدخان، لاشيء يشدني من الىن إلى بومباي، فهي ليست بومباي، لا يوجد بها أي شيء خاص فليست مدينة السعادة الهجينة والممزوجة، شيء ما توقف أنه العالم. وما تبقى لا اعرف عنه شيئا، اطمح إلى بلوغ اسبانيا إلى بعيد سأذهب إلى حيث طرنا منذ قرون مضت على مكان استراحتي ولن يصير هذا آخر اقاماتي أو ارض الميعاد. هل يمكن ان لا تكون هذه الأرض اورشليمي؟

لكني على خطأ فيما يتعلق بنقطة: فنهاية عالم ليست نهاية العلم ! 358، إنها نهاية عالم الاندماج وبداية القطيعة مع العوالم المتحركة، في محاولة لتلمس حيث الأصل المتحرك لا الأصل الثابت، لمحاربة الجنون في عالم الثوابت وإدانته بشطل من أشكال تجاوز المحو في لوحات أورورا سليلة دي جاما على يد الرسامة التي جندها فاسكوميراندا لاستكمال لوجه (آخر آهة الموريسكي) التي لم تكتمل إلا من خلال تختراق رصاصة للوحة وضحيتها حيث تسيل دماء الاخيرة على اللوحة لتكتب طرسا جديدا، يمنح الوعي الشقي لبطل يبحث عن حقيقة لا توجد إلا في الموت او في تخيل الأصل لا أكثر ولا أقل: ساحاول تخيل هذا المقطع خلال فترة أجدادنا القدماء، إذ لا يوجد شيء يمكن سحبه من الديكور بطرقها والطيف الأسود لثور (ازوبورن) الذي يراقبني من فوق مرتفع، على حين كانت الاعمدة الكهربائية وبعض الاعمدة الهاتفية على قارعتي طريق سيارات من نوع (سيت) وشاحنات (الرونو). كانت قويةبننغلي عبارة عن شريط جدران بيضاء وسقوف حمراء تمتد فوقنا على مجموعة من الهضاب وتشبه على حد بعيد ما كانت عليه منذ قرون خلت 367.

فالقرية الاندلسية مرآة للاجانبالذين يبحثون فيها عن ملهاة للافتقاد والنسيان هروبا من مصائر مجهولة، تبحث بتعبير دون كيشوت عن طيور هذه السنة في أعشاش السنة الماضية. ورغم حذر الموريسكي الأسود (الهندي) من مغبة دخول قلعة الحمراء الصغيرة المحصنة لفاسكوميراندا، فلن توجه الرواية إلى نوع من الرواية البوليسية بحثا عن الاحداث المثيرة جعلت البطل يدخلها متخفيا في لباس نسوي ليكتشف احبولة التواطؤ والاستدراج إلى القلعة التي سيفر من سجنها الذهبي بعد ان كشف له سر آهة الموريسكي وسر العنف الذي يحيط بتشكيل اللوحة، لنقل تشكيل عالم بمزيج من ألوان الشرق الحالم والغرب الهائم، عبر ضمير متكلم، فقدت الوعي المتعدد الأيام، منذ هربت من رعب القلعة المحصنة لفاسكوميراندا في بننغلي، قرية الجبال الاندلسية. لقد هربت من الموت تحت ستار الليل تاركا خبرا بذلك معلقا على الباب.

حينما كان عودي طريا، كانت حبيبتي تقول لي بحنان: "أوه، أنت ياموريسكي رجل غريب، متعدد الأطروحات دائما دون أن تجد باب كنيسة تعلقها عليها", فحين نتعب ويختفي النفس الذي يدفعنا إلى الأمام، فإن الوقت يحين للاعتراف. سموا هذا وصية او "افعالا حسب آخر ارادتكم" في صالون الآهة الاخيرة، ذلك أن في وقوفي وجلوسي تعبير عن حياتي التي علقتها على المشهد وفي جيبي يوجد مفتاح قلعة محصنة حمراء لحظات قبل الاستسلام الاخير الخلاصة الآن أنه آن الاوان للاستراحة مما سبق، هذا الذي نسترجعه مهما كان حقا او زيفا. فآخر آهة ستكون من أجل عالم مفقود وعبرة على غيابه.. فتاريخ الموريسكي كثير الضجيج والغضب. 15/16. فالأطرحات المتعددة تكشف عن حيرة تشكيل الهوية الحقيقة في عالم متغير، إذ لم تعد الحقيقة كامنة في الصفاء والطهرية ونقاء السريرة بقدر ما هي بحث عن زمن الهجانة والتحولات.. ما دام الجميل في مومباي يكمن في عدم انتمائها إلى شخص بل هي للجميع وللتعايش.. وتتحول بومباي الجغرافيا إلى غرناطة التاريخ فالاسقاط الحضاري يستهدف استخلاص العبرة من سقوط المدن والسياسات والعقائديات العمياء، التي تختفي تحت بشراتنا في قرن يحبل بموروث ثقيل للقرن 15 ليستعاد فيه زمن الاخطاء في عصر الانفتاح

الحضاري والثقافي او ما يفترض فيه ذلك .. بومباي كانت المركز، وظلت كذلك تماما كالملوك الكاثوليك المتعصبين كانوا قد حاصروا غرناطة وانتظروا سقوط الحمراء، الآن البرابرة على أبوابنا, أواه يابومباي المدينة الاولى هنديا، ومرفأ الهند، ونجمة الشرق والوجه الملتفت إلى الغرب كغرناطة. غرناطة العرب. كنت فخر وقتك، لكن فترات سوداء تعاورت عليك، وأصبحنا ضعفاء كأبي عبد الله آخر سلطان ناصري لم يعرف كيف يدافع عن كنزة المترامي الأطراف لأن البرابرة لم يكونوا فقط خلف أبوابنا ولكن تحت بشراتنا.

كل هذه الانفجارات تولدت من الشر الذي يسكننا، فلا حاجة للبحث عن تفير من الخارج.

استسمح.. هذه الطفرة المزاجية جرفتني، فالموريسكي القديم لن يتاوه أبدا 354/355. إن البطل يعترف من خلال وعيه الشقي بهزيمته، مادام يستحيل على شخص الإقامة في الهند دون انتماء إلى قبيلة فالحلم بالتخلي عن البشرة واستبدالها أو الكشف عن هوية سرية مآله الوحدة المسلوخة والعارية. فالوعي الشقي لايجد صورته في مرآة الواقع الذي يصنع بديله على طرس رواية من ورق ومداد أسود في شبه محاكمة حضارية لجنوب الحلم وشمال الكوابيس حيث كل المرايا متكسرة وكل العلائق متشظية.

فهل استطاعت الرواية رأب الصدع ام انها صدى صرخة بين شمال الروح وجنوب الجسد؟.. ذلك ما تحدده صدمة الاهواء: يضم زقاق الضجيج عددا كبيرا من الدكاكين الثمينة مثل كوشي، وهيرمس، واكاسكوتم وكاردان، وبالومابيكاسو. ومطاعم تتدرج من بائعي محشيات اللحم السندنيافي إلى مشويات سيكاكو الزينة بنقوش نجمية. لقد وجد نفسي وسط جموع تتقادفني في خضم الاتجاهين وفي تجاهل تام لمدينتي التي تفوق القروية.

كنت اسمع الكلام الانجليزي والأمريكي والفرنسي والألماني والسويدي والدنماركي والنرويجي وما يمكن أن يكون هولانديا او افريكانس، ولم يكن الامر يتعلق بزائرين لانهم لا يحملون الآت تصوير فوتوغرافية وهم يتصرفون كما لو كانوا فوق أراضيهم لقد اصبح هذا الجزؤ من بننغلي ملكا لهم، فلم نكن نلمح اسبانيا واحدا بحيث تحول هؤلاء الاجانب إلى موريسكيين جدد فيما قلت لنفسي، وأنا واحد منهم.. سأظل هنا إلى ان أموت، وربما كان السكان الأصليون يحضرون لغزو جديد، وان كل شيء سينتهي على غرار ما انتهى إليه سابقونا إلى اقتيادنا نحو مواكب مرفأ قاديس.

لاحظوا إذا كان الزقاق مليئا فإن عيون هذه الجموع فارغة ذلك ما قاله صوت على مقربة من كتفي، فمن الصعب إذن ابداء تعاطف مع هذه الأرواح الضائعة، التي تنتعل أحدية الزواحف بأقمصة رياضية وكوركوديلات على الاثداء لكن الشفقة هنا ضرورية لنسامحهم اخطاءهم، لان الخفافيش توجد من مدة طويلة في جهنم369. ففي البحث المضني للبطل عن امتدادات العرقية والجنسية في اوروبا الاسبانية والكوسموبوليتية، تواجهنا حكايات تتوالد عبر اوات وأصوات ووطنيات ضاقت بوطنيتها فغادرت على الاندلس حيث تقلصت إلى ارواح هائمة، مادامت الروح تلعب دورا خادعا لموريس الزغبي القادم من بومباي، والذي يفاجأ بالعديد من الحالات التي تضاهي هجانته، فرونيكادا امها فلسطينية وفليستاس أمها مغربية وهما نصف عرب ونصف يهود ونصف اسبان وهو بدوره نصف. نصف.. اما فاسكوميراندا فقد جن وارتدى لباس السلاطين القدماء وتحول سلوكه إلى أسوأ من الحكام المطلقين للموريسكيين. من ثم، تتحلل المثالية من أوهامها ويحل محلها المحو والمسخ للوحات قديمة كانت متآلفة فلا مكان إذن إلا لبيوت جنوننا الذاتي، التي تبدع قصورها فوق سراب بحر بتصاميم نصف عربية ونصف منغولية وديكور شيروكي، إنه المكان الذي يعتقد فاسكو ميراندا أن العوالم تلتقي فيه لتودع الرداءة والأمراض والرشوة والتعصب للسياسيين والكاريكاتوريين والزواحف والتماسيح، حيث الموت في كل مكان أصيب فيه العالم بجنون.

فحين ينصرم الماضي وحين لا يتبقى سوء جزء منه يستعصي توزيع الخطايا والعثور على الدلالات في حطام الحياة، وما على آخر الزغبيين الموريسكيين

فحين ينصرم الماضي وحين لا يتبقى سوء جزء منه يستعصي توزيع الخطايا والعثور على الدلالات في حطام الحياة، وما على آخر الزغبيين الموريسكيين إلا أن يحكي عن ميتولوجيتهم وجرائمهم ليتحول إلى شهرزاد.

إن الموريسكي الحقيقي هو الذي يهاجم المعتدي على زوجته، حتى لو كان يعني موته وإلا فما عليه إلا أن يبكي كامرأة عما يستطيع الدفاع عنه كرجل.. وفي لحظة من لحظات الصحوة الفلسفية يقف بطل (آخر آهة الموريسكي) مؤولا المواقف والاحداث في خطاب تركيبي يعفي قارئه المحتمل من المشاركة في انتاج المعنى الروائي، بطريقة تغلب عليها الرومانسية. جلست هنا في آخر نور النهار على هذه الصخرة جنب شجرة الزيتون، انظر إلى هضبة بعيدة ما وراء الشعبة وهاهو انتصار الموريسكيين وعملهم الكبير شاهد على آخر شكهم. فالحمراء: القلعة الحمراء لأوروبا أخت تلك التي توجد بدلهي واكثر، إنها قصر الأشكال المحبوكة والحكمة السرية بساحات المتعة والحدائق المضاءة بشلالات الماء. هذا المعلم المترفع نحو طموح مفقود. بقي واقفا بعد سقوط غزاته، كوصية حب مفتقدة، والذي ظل مغريا بالحب الذي استمر متحديا الهزائم والتلاشي واليأس، أمام الحب المنتصر الذي هو أكبر من هازمه ولما هو اعمق في رغباتنا، ورغبتنا في التلاقي وتكسير الحديد وهجر معازل الكائن.. استرخت وتمنيت أن يكون الموت في سلام فالعالم مليء بالناس النائمين، الذين ينتظرون لحظة عودتهم، فارتورينتام في جزيرة فالون وبارباروس في كهفة، وفين مال كول يرقص بين هضاب ايرلاندا.. هكذا أضع رأسي تحت حروف ثلاثة وأغمض عيني، فحسب العادة القديمة لاسرتنا في النوم خلال مراحل البلبلة، مؤملا ان استيقظ متجددا وسعيدا في ازمنة أحسن 408. فالأزمنة الاحسن ترتبط بنوع من الخلاص الذي يتوق أبطال الرواية إليه لنسيان أنفسهم وافتقاد ذواتهم، حتى يحيوا نوعا من الحلم لما يمكن أن يكون كينونتهم الأفضل.. هروبا من امارتهم في جهنم، وتملصا من كذبهم وتخشبهم وكل ما يسبب الصداع والانفصام والانتظار الذي لا يأتي. فافتقاد الجذور يعرض اصحابه إلى آلية وتيه، تقلدان الحياة الانسانية دون مقدرة على استيعبها او عيشها. ويظهر ان توالد النقائض يجعل الشرط الانساني شبه مستحيل في عالم يرفض التوابت، التي يختزلها خطاب بطلة ذات وعي شقي. لقد أحببت رجلا هل تعرفون انه زوجي (بنيت) لكنه خانني باستمرار في أوطان كثيرة فهو لا يستطيع تلافي ذلك، إنه يحبني ويخونني على الدوام حتى وهو يحبني، وفي النهاية كنت انا التي توقفت عن حبه وفارقته: لقد توقفت عن حبه لا لانه يخونني، لانني تعودت على ذلك، ولكن لان بعض عاداته التي كانت تثيرني كانت قد ألغت حبي 397.

الاتحاد الاشتراكي / الاثنين 3 شوال 1417 هـ المواقف 10 فبراير 1997م

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008