نشاط أكاديمي  قراءات مفتوحة  متابعات صحفية مؤتمرات وندوات  إصدارات  مقـالات  تعريـف  الرئيسيـة
  للاتصـال بنـا روابـط صـور رسائل الأعـزاء الزمان المغربي معارك أدبية  
 

رواية (رحيل) الطاهر بنجلون
إلى المثوى الأخير
 


يبدو أن الموضوع الواحد يجمع بين (حريك) العلام صلصال – الجزائري – و(رحيل) الطاهر بنجلون – المغربي – وإن ختلفت المقاربات والرؤى... لأن طاهرنا يحمل فوق كتفيه هجرته، التي كانت من بين موضوعاته الأثيرة الأولى خلال سنواته الفرنسية، وها هو يعود بعد كل هاته العقود على بلد العبور الإسباني – كما لو كان قد أخطأ بالقفز على الجزيرة الإيبيرية نحو بلاد الغال، تمثل مرصدا فلكيا، يعاين من خلاله: (دلائل حيرات) من كان يساندهم أميين، وها هو يعود إليهم خريجي جامعات معطلين، يسترزقون بثقوبهم السوداء، صدقات من كانوا بالأمس القريب مجرد مهاجرين فقراء، شردهم فرانكو، لتعيد إليهم ذاكرة الأمس القريب البعيد... وبما أن الرواية قرئت أفقيا – لنوايا في نفس يعقوب – فقد ارتأينا قراءتها عموديا وعكسيا، من نهايتها نحو بدايتها، مراعين تعقد مصيرها...

ألم يشدد سارد الطاهر على ذلك، وهو يعتبر أن: (الرواية التي تجد لها قارئا، يبعث بها إلى معمل ورق لسحقها، وتحويلها إلى ورق مطحون لصناعة المغلفات...) (262) ما دام (الفارق بيننا والفئران، وهو أن الأخيرة لا تقرأ، بل تقرأ الورق المتخم مداده بالفيتامينات (263)
ذلك لان الكتابة شهادة مفزعة، تجعل زوار الليل، يعتبرون (مقعدة المثقف كتابا كفتوحا، لا يقرأ ولكنه يمزق (58) ذال كان مصير (عز الدين) بطل الرواية – التي ما كان لها أن تكتب بالعربية، لأن الابتلاء بالمروق يقتضي التستر عله، من ثم فسيكون على مترجم الرواية لاحقا اجتياز لمدى جرأته على إنجاز معادلة رواية تعلن (أن الرواية دون جنس ولا إيروتيكية هي رواية سياسية لا تهم أحدا (263). فلا غرابة أن نجد افريقيا باسم (فلوبير) يحيل على نوع من التماهي المحصل ل ( وظيفة متخيلة...ينام على صفحات، تفتحها نساء معطرات لقراءتها، متخيلا أنه ينام طوال النهار في حقيبة يدوية لامرأة جميلة، يتبعها حيثما تستحم.. وهكذا يجد فلوبير هواه حتى لا يواجه الواقع (263). ذلك الواقع المفجع بمأساويته الإفريقية المواجهة للأنانية الغربية، صانعة الحدود والأقفال في عوالم فتحها الله على كل القارت منذ ماركوس وموسى بن نصير...
من ثم، تستدعي رواية رحيل شخصية (بانرا) لاستعادة سفر دون كيشوت، في قرننا دون جواز سفر، كما لو كان يسافر في القرن 16.
وبنفس القياس يستحضر (فلوبير) الإفريقي للسفر دون هوية ثبوتية، اعتمادا على شهرة الاسم، طافيا على سطح كتابة الطاهر: موحا الأحمق موحا الاقل لربط جسور خفبة في بنية (رحيل) الحالية موحا مهاجر مجهول، هذا الرجل هو من اكون ،وهو من كان ابوك،ومن سيكون ابنك، وهو من كان الرسول، نحن مطالبون بالرحيل..
نسمع نداء الأقاصي والأعماق، أصوات الخارج تسكننا، كما هي رغبة مغادرة الأرض الأصلية..) (266) ويعد هذا البط بين موحا – يابقا – وموحا – رحيل – شبه نهاية أطروحية سعيدة لتفجير مكبوت الرحيل الميتافيزيقي: (لنرحل ونركب البحار إلى ان ينطفئ الضوء الخافت، الذي تحمله روح كائن، اكان من هنا إم من هناك.. لاننا نلاحق هذا الضوء الخافت، الذي قد يشع منه جمال العالم، ذاك الذي يضع حدا لآلام العالم) (267).
يمثل الشاهد آخر صفحة من الرواية. شبه الاطروحية، دون مواربة، مادامت التفاصيل مجرد صور لأحداث يومية في الصحافة الوطنية والدولية، لم تتوقف، بل تحبل يوميا بجديدها..
فإذا كان الطاهر قد لاحق بعضها في بر (تازمامرت) مثيرا، احتجاجات اهل البر على تحويل كرياتهم الحمراء إلى كريات مدادية، فإن غرقى بحرالحافة، لن يحركوا ساكنا، كما لن يتظاهروا أمام مرصده الباريزي، غضبا على جثث يلقي بها الموج في المقلاة الإيبيرية.. لهذا يجد سارد الرواية في رعب الهجرة نزولا على هاوية يتشوه فيها الواقع، وتتعقد مأساته داخل بلد، لا يستطيع منح أبنائه الاحلام اللائقة بكينونتهم، بل يضطرهم إلى التسكع بحث عن يد ممدودة، حتى لو كانت لمارد..
فماذا تنفع هدية (رباعيات الاسكندرية) و (امراة الكاميليون) إلى تلميذة من أستاذ فلسفة؟ وهي التي تفتقد الحب، وتقتني كل معارفها من الحمام وحياة يومية تقتل الحي كالميت.
فلا غرابة أن ينزع أغلب أبطال رواية رحيل على البحث عن رحيل رحيم من أجل ولادة بعيدة. وبكل الوسائل الممكنة من أجل الشعور باجنحة تكبر لهم. بعيدا عن جحود وطن جامح,, من ثم (إذا كانت الملائكة لا تذهب إلى إسبانيا، بل تتجه إلى داخل المغرب) (103)، فإن الهجرة لا تتم نحو الجنوب بل صعودا إلى الهاوية..بعيدا عن صحراء التيه، حيث لا يلجها غير موحا (الحاضر/ الغائب) في (رحيل):
(الرحيل نعم أنا كذلك أرغب في الرحيل، يأسافر في الاتجاه الآخر، (سأحرك) نحو الصحراء، ساعبر الصحراء كالهواء.. موحا سيعبر من هنا دون إثارة انتباه أحد، لكن أين تذهب لغتها السماء،افريقيا التي نهبها سود الياقات وبيض الياقت وقرود المو كينك..
أتحدث من إفريقيا، لان اناس الهناك مشوا على الأقدام أياما وليال للوصول إلى هنا طنجة، التي قيل لهم عنها، غنها اوروبا) (147) هذا لما كانت طنجة مدينة دولية، ومعبرا نحو أندلس النوروغال عقوق الانسان، اما وطنجة تكشف عن وجه مليء بالندوب فهي تتعالى على افريقيا.
(افريقيا هنا، لكن الناس تعتقد ان حدود اوروبا في طنجة.. فهم هنا يأكلون القطط إنها الشائعات .. الأفارقة فقدوا روحه، ونحن العرب البيض، يجلد أملس وأسمر وقهوي، نشعر باننا اسمى ونجد فيهم رجالا لاحتقارهم، لان عنصريتنا في حاجة إلى تمرس (148).
فلا تهم الوسيلة ما دامت الغاية رابضة هناك على مشارف الضفاف الأخرى، تلك التي تنتظر افتكاك الأسير من ظلم ذوي القربي:
(الرحيل، الرحيل، الرحيل كيفما كان وبأي ثمن: غرقا، طفوا على الماء، ببطن منتفخ، بوجه أكله الملح، بعيون مفقودة، الرحيل هو كل ما وجدتموه حلا) (149).
ما عادت دروس الاخلاق والوطنية تقنع احدا، فالعطش إلى الورود من الوادي الكبير والترك بحائط مبكي الحمراء يغري كل الحيوانات المرضى بحلم الرحيللان القطط بدورها تسعى إلى الهجرة كباقي الاحياء، تلبية لنداء البطن والصره: (قط معروف لدى الجمارك والشرطة، يتندرون بإلحاحه على مغادرة المغرب، فهو كذلك مستاء.. التقاه عز العرب، وسلم عليه ككائن انساني، انت كذلك تريد الرحيل، أنت كذلك أصابك فيروس الرحيل(43) إنه نداء الاجداد يخترق كل الأرواح الهائمة، حول الطعم والمصيدة، فالرحيل مهنة من لامهنة له:
- الرحيل
- الرحيل، لسي مهنة
- الرحيل إلى أين؟
- الرحيل إلى أي مكان !
- إلى اسبانيا
- اسبانيا او فرنسا، غنني اسكنهما في حلمي (98)
فهاهي مليكة لا تصبح أبدا، ترحل في صمت إلى مثواها الأخير، لان الجثث الطافحة سكنتها:
(الق نظرة على ما يقع في المكسيك وعلى حدودها مع امريكا، كل الناس يرغبون في الرحيل كعدوى (153)ليطلق علينا الإسبان ما شاؤوا من النعوت: ( الاكتفاف المبللة Las es – padas majados او los Moros او les zarabes لا يهم المزيد من الغهانات في عصر الذلقراطية المنجرية.
لقد أصبحت الوطنيات حدودا اخرى في أرض الله الواسعة، التي تضيق بجماركها. وتؤثث لمتخيل الجنوب مانحة لفلوبير الإفريقي فكرته عن بواخر المغيبين في الرواية الفرانكوفونية: (لفلوبير فكرته: إذا كانت الباخرة ليست سوى خيال وراواية طافية على الماء، رواية في شكل قنينة ملقاة في البحر، نحو امهات تعبات من الانتظار.. افهم لماذا أطلقت على أسرتي اسم فلوبير، فليس على سوى ولوج الرواية، لكن كيف أصير شخصية خيالية، وكيف أقتحم الصفحات، وأخذ مكاني المريح في فصل جميل لقصة حب...) (261)
ولكن صورة الأسود لا وجود لها في (مادام بوفاري)؟ ( آه لو وجدت رواية أكون فيها بطلا، دون أن أضطر إلى العمل، يتبناني الروائي فيعطيني دورا، يضعني في قصة... ليقتلني في النهاية، لانه لا يدري كيف ينهي قصته، لكنني لا أرغب في الموت، حتى لو كنت شخصية من ورق، إذ لا رغبة لي في الاحتراق...) (262)
ليتماهى مصير الافريقي (الأسود الأبيض) إذن حتى وهو يرى العالم دون ان يراه هذا الاخير:
(من المغرب نشاهد إسبانيا، لكنهم لا يروننا، فهم غير مبالين بنا) (77). إن (الشوف لا يبرد الجوف)، والبصائر لا تعمي المصائر، لان من كانوا هنا بالامس القريب، فقدوا القدرة على التذكر... فلا غرابة ان يقع عز العرب ضحية ضعفه، متخليا عن عزه (العربي/ الإفريقي)، لانه مجرد (عزل) في الرواية: (عز العرب... إنها اول مرة أسمع فيها باسم مغربي صعب النطق.
- أصدقائي يطلقون على عزل ببساطة
- ماذا يعني هذا الإسم؟
- فخر العرب وانتصار العرب، فانا زبدة العرب، النفيس والغالي والطيب...
- لقد كان والدي ناصريا وطنيا متحمسا للعالم العربي، للأسف أن العالم العربي اليوم في حالة سيئة وانا كذلك بدوري) (49)
فما الذي حول العز إلى ذل، يبحث عن زوج يعيله، كما تبحث صديقته عن منقذها من الضلال: (اعترفت له انها تبحث عن زواج بإسباني او فرنسي، ورد عزل... وانا كذلك ممت أضحكها، واستطردت تقصد إسبانية او فرنسية) (37) لكنه يتمنى لو كان صندوقا خشبيا، يكتب عليه بحروف حمراء (قابل للكسر),ليصدر إلى الجهة الاخرى ليكن بيت ميغيل الشاذ الجنسي الإسباني، الذي يتمنى دفنه في طنجة كما دفن جان جونيه في العرائش... وبول بولز في مخيلة الاميين، كما يشهد حارس عمارته: (هؤلاء الناس يريدون كل شيء... لخدمتهم نهارا ومواقعتهم ليلا، خدة كاملة، وبين الخدمات ملأ سبسي كيف، يسعف كتابة الامركي، وهو يقول لهم: احكوا لي حياتكم لاجعل منها رواية، وسيكون اسمكم على غلافها. لن تستطيعوا قراءتها، لكن لا عليكم، فانتم كتاب مثلي، باستثناء انه سيقال عنكم: الكتاب الاميون، الغرائبيون أقصد عجائبيين. كان يقول لهم ذلك، دون ادنى إشارة إلى مقابل مادي، لانه لا يتحدث عن هذا حين نكون في خدمة كاتب. فالناس غير مجبرين على قبول ذلك. لكننا نعرف أن البؤس يا صديقي يقودنا إلى امكنة حزينة... فكل واحد (يعلق من كراعه) كما عند الجزار (47) هكذا يتم الحديث عن بول بوز، الذي استقر في طنجة وعاش مع غلام مغربي امي، بينما عاشرت زوجته امرأة شعبية، لان طنجة كانت عبارة عن سيرك لتغليف العهارة برمز الكتابة الامية.

سعيد علوش - الخميس 9 مارس 2006

 

 

موقع د. سعيد علوش

نقد الروايــة

المحتـوى

 

جمالية الرواية العربية بين بصيرة الأطروحة وعماء الإشكالية

 

قراءة في رواية رشيد الميموني الجديدة: رحلة في متاهة الذات في وجدان القبلية
  المتخيـل الروائي لمعركة «أنوال) في «المعشوق» للإسباني: رامون خ. سيندير
  «آخر آهة الموريسكي» لسمان رشدي بين كابوس بومباي وحلم الأندلس
  حصاد موسم إبداع دور النشر الفرنسية
  مغاربيون في مهب الرواية الفرانكوفونية
 

 

لماذا تحول بعض الفلاسفة والمؤرخين المغاربة إلى روائيين؟
  تقطيع أوصال القبلية في الرواية السعودية: «حبي» لرجاء عالم و«الحزام» لأحمد أبو دهان
  روايات عازف البيانو / عشاق / المهمشون / ليست لألفريدي جينيليك جائزة نوبل للآداب 2004
  رواية «شمس سكورتا» للوران كودي جائزة غونكور 2004
  هوس «شفرة دافنتشي» و«توجس ملائكة وشياطين» لدان براون
  شمس سوداء تسطع على نهار فرنسي أبيض (إمكانية جزيرة) لميشيل هويلبيك 2005
  حداد رواية «عرس الديدان» لحسن حداد
 

 

سقوط الجمهورية الثالثة للأدب «المخدوعـون» لأحمد المديني
  مقامات العشق الموكادوري
  رواية «رحيل» الطاهر بنجلون إلى المثوى الأخير
  داريفو في مظاهرة (عرق العراق يا أهل شقائق النعيـم)
  تساء (لامانشا)في شريط فولفر لبيدرو ألمودوفار  (2006)

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصاحب الموقع الدكتور سعيد علوش - تاريخ الإنشاء يناير 2008